فبهذا تبين أن عمل هذا القران في التغيير والتفسير يكون مقررا للحكم المفسر
لا مغيرا ، يحقق ما ذكرناه أن قول القائل اضرب أي اكتسب ضربا ، وقوله طلق
أي أوقع طلاقا ، وهذه صيغة فرد فلا تحتمل الجمع ولا توجبه ، وفي التكرار والعدد
جمع لا محالة والمغايرة بين الجمع والفرد على سبيل المضادة ، فكما أن صيغة الجمع لا تحتمل
الفرد حقيقة ، فكذا صيغة الفرد لا تحتمل الجمع حقيقة بمنزلة الاسم الفرد نحو قولنا
زيد لا يحتمل الجمع والعدد ، فالبعض مما تتناوله هذه الصيغة فرد صورة ومعنى ،
وكل فرد من حيث الجنس معنى ، فإنك إذا قابلت هذا الجنس بسائر الأجناس كان
جنسا واحدا وهو جمع صورة فعند عدم النية لا يتناول إلا الفرد صورة ومعنى ، ولكن
فيه احتمال الكل لكون ذلك فردا معنى بمنزلة الانسان فإنه فرد له أجزاء وأبعاض ،
والطلاق أيضا فرد جنسا وله أجزاء وأبعاض فتعمل نية الكل في الايقاع ولا تعمل
نية الثنتين أصلا ، لأنه ليس فيه معنى الفردية صورة ولا معنى فلم يكن من محتملات
الكلام أصلا ، وعلى هذا الأصل تخرج أسماء الأجناس ما يكون منها فردا صورة
أو حكما . أما الصورة فكالماء والطعام إذا حلف لا يشرب ماء أو لا يأكل طعاما
يحنث بأدنى ما يتناوله الاسم على احتمال الكل حتى إذا نوى ذلك لم يحنث أصلا .
ولو نوى مقدارا من ذلك لم تعمل نيته لخلو المنوي عن صيغة الفردية صورة ومعنى ،
والفرد حكما كاسم النساء إذا حلف لا يتزوج النساء فهذه صيغة الجمع ولكن جعلت
عبارة عن الجنس مجازا ، لأنا لو جعلناها جمعا لم يبق لحرف اللام الذي هو للمعهود فيه
فائدة ، ولو جعلناه جنسا كان حرف العهد فيه معتبرا فإنه يتناول المعهود من ذلك
الجنس ويبقى معنى الجمع معتبرا فيه أيضا باعتبار الجنس ، فيتناول أدنى ما ينطلق عليه
اسم الجنس على احتمال الكل حتى إذا نواه لم يحنث قط ، وعلى هذا لو حلف لا يشتري
العبيد ، أو لا يكلم بني آدم ، أو وكل وكيلا بأن يشتري له الثياب فإن التوكيل صحيح
بخلاف ما لو وكله بأن يشتري له أثوابا على ما بيناه في الزيادات .
أصول السرخسي — صفحة 24
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢٤