الاستغناء بتلك المقدمة عن بيان تقسيم الا جزية على أنواع الجناية نصا ، ولكن هذا
التقسيم ثابت بأصل معلوم وهو أن الجملة إذا قوبلت بالجملة ينقسم البعض على البعض
فلهذا كان الجزاء على كل نوع عينا ، كيف وقد نزل جبريل عليه السلام على النبي
( ص ) بهذا التقسيم في أصحاب أبي بردة ؟ ولهذا قال أبو حنيفة رحمه الله
إذا جمع بين القتل وأخذ المال فللامام الخيار ، إن شاء قطع يده ثم قتله وصلبه ، وإن
شاء قتله وصلبه ولم يقطعه ، لان نوع المحاربة متعدد صورة متحد معنى فيتخير لهذا .
وقيل أو هنا بمعنى بل كما قال الله تعالى : * ( فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) * أي بل
أشد قسوة فيكون المراد بل يصلبوا إذا اتفقت المحاربة بقتل النفس وأخذ المال بل
تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال فقط بل ينفوا من الأرض
إذا خوفوا الطريق . وقد تستعار كلمة أو للعطف فتكون بمعنى الواو ، قال تعالى :
* ( وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون ) * أي ويزيدون . قال القائل :
فلو كان البكاء يرد شيئا بكيت على زياد أو عناق
على المرأين إذ مضيا جميعا لشأنهما بحزن واحتراق
( أي وعناق ) بدليل قوله : على المرأين إذ مضيا جميعا .
إذا عرفنا هذا فنقول إنما يحمل على هذه الاستعارة عند اقتران الدليل بالكلام ،
ومن الدليل ( على ذلك ) أن تكون مذكورة في موضع النفي ، قال الله تعالى : * ( ولا
تطع منهم آثما أو كفورا ) * معناه : ولا كفورا ، والدليل فيه ما قدمنا أن النكرة
في ( موضع ) النفي تعم ولا يمكن إثبات التعميم إلا أن يجعل بمعنى واو العطف ولكن
على أن يتناول كل واحد منهما على الانفراد لا على الاجتماع كما هو موجب حرف
الواو ، ولهذا قلنا لو قال والله أكلم فلانا أو فلانا فإنه يحنث إذا كلم أحدهما ،
بخلاف قوله فلانا وفلانا فإنه لا يحنث ما لم يكلمهما ، ولكن يتناول كل واحد
( منهما ) على الانفراد حتى لا يثبت له الخيار ، ولو كان في الايلاء بأن قال لا أقرب
أصول السرخسي — صفحة 216
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص٢١٦