حقيقة ثم سميت العبادة بها لما فيها من العزيمة والقصد للزيارة فعند الاطلاق الاسم
يتناول العبادة للاستعمال عرفا ، والعمرة والصوم والزكاة وغيرها على هذا فإن نظائر
هذا أكثر من أن تحصى ، ولهذا قلنا من نذر صلاة أو حجا أو مشيا إلى بيت الله
يلزمه العبادة وإن لم ينو ذلك ، فالمشي إلى بيت الله تعالى غير الحج حقيقة ولكن
للاستعمال عرفا ينصرف مطلق اللفظ إليه . وكذلك لو قال لله علي أن أضرب بثوبي
حطيم الكعبة يلزمه التصدق بالثوب للاستعمال عرفا ، فاللفظ حقيقة في غير ذلك .
ومن حلف أن لا يشتري رأسا ينصرف يمينه إلى ما يتعارف بيعه في الأسواق من
الرؤوس على حسب ما اختلفوا فيه وكان ذلك للاستعمال عرفا ، فأما من حيث الحقيقة
الاسم يتناول كل رأس . ومن حلف أن لا يأكل بيضا يتناول يمينه بيض الدجاج
والإوز خاصة لاستعمال ذلك عند الاكل عرفا ، ولا يتناول بيض الحمام والعصفور
وما أشبه ذلك ، وقد بينا أن العام إذا خص منه شئ يصير شبيه المجاز .
وبيان النوع الثاني وهو دلالة اللفظ فيما إذا حلف أن لا يأكل لحما فأكل لحم
السمك أو الجراد لم يحنث في يمينه ، لأنه أطلق اللحم في لفظه ولحم السمك ( أو الجراد )
لا يذكر إلا بقرينة فكان قاصرا فيما يتناوله اسم مطلق اللحم ، بمنزلة الصلاة على الجنازة
فإنه قاصر فيما يتناوله مطلق اسم الصلاة من حيث إنه لا يذكر إلا بالقرينة ، فلا يتناوله
الاسم بدون القرينة .
فإن قيل : أليس أنه لو أكل لحم خنزير أو لحم إنسان فإنه يحنث في يمينه
وهذا لا يذكر إلا بقرينة ؟ قلنا : نعم ولكن ذكر القرينة هنا ليس لقصور معنى
اللحمية فيهما ، فإن اللحم اسم معنوي موضوع لما يتولد من الدم ولا قصور في ذلك
في لحم الخنزير والآدمي ، فأما لحم السمك والجراد فإنه قاصر في ذلك المعنى ، لأنه
لا دم للسمك ولا للجراد ، فكذلك معنى الغذاء المطلوب باللحم لا يتم بالسمك
والجراد . فعرفنا أن القرينة فيها للقصور ، ومعنى الغذاء المطلوب باللحم يتم في لحم
أصول السرخسي — صفحة 191
مساهمون: أبو الوفاء الأفغاني
ص١٩١