الإبصار عن سائر الألوان .
وأمّا الثاني ففيه احتمال ، لأنّ الجص والرماد إذا سحقا حصلت الغبرة من امتزاجهما ، لكن حصولها من
هذا السبب لا يقتضي الانحصار فيه ، كما في البياض والسواد حيث حصلا بأسباب خاصة ، مع أنّهما
كيفيتان حقيقيتان في أنفسهما بسيطتان .
وإن خالط السواد ضوء ، وكان مثل الغمامة التي تشرق عليها الشمس ، ومثل الدخان الأسود يخالطه
النار ، فإن غلب السواد حصلت الحمرة ، وإن اشتدت الغلبة حصلت القتمة . وإن غلب الضوء حصلت
الصفرة . ثمّ الصفرة إن خالطها سواد مشرق حصلت الخضرة . ثمّ الخضرة إن انضمّ إليها سواد حصلت
الكرّاثية الشديدة . وإن انضم إليها بياض حصلت الزنجارية ، ثمّ الكراثية إن اختلط بها سواد وقليل
حمرة حصلت النيلية . ثمّ النيلية إن اختلط بها حمرة كانت أرجوانية . وعلى هذا القياس .
ومنهم من زعم أنّ الألوان الحقيقية ( 1 ) خمسة : السواد والبياض والحمرة والصفرة والخضرة ، وهو
مذهب المتكلمين أيضاً ( 2 ) ، وجعلوا البواقي مركّبة منها . وجعل الكعبي « الغبرة » لوناً آخر سادساً
منفرداً ، وجوز كونها مركّبة كما تقدم . ولا شك في أنّ الأجسام الملونة بهذه الألوان الخمسة إذا سحقت
جداً ثمّ خلطت فإنّها يظهر منها بحسب مقادير المختلطات ألوان مختلفة . فمن المحتمل أن يكون
سائر الألوان حاصلاً على هذا الوجه لكنّ البصر لعجزه عن التمييز يظنها ألواناً منفردة ، ويحتمل أن
يكون كلّ واحد منها أو بعضها ألواناً مفردة حقيقية .
وقد جوّز الجبائيان وجود الزائد عليها في قدرة اللّه تعالى .
هامش
1 . أي البسيطة التي هي الأُصول .
2 . كما في حدّ اللون من كتاب الحدود ( المعجم الموضوعي للمصطلحات الكلامية ) للنيسابوري . وهو مذهب المعتزلة كما
في نقد المحصل : 143 .