أو أزيد ؟
لأنّا نقول : فرض خروج الماء وعدم دخول جسم آخر فيه فرض لوجود الخلاء ، وهو محال ، فيكون
المبنيّ عليه محالاً ، ولو فرضنا إمكانه ، لكن استفدنا منه أنّ الواحد في الماهيّة وفي الإشارة الحسية ، قد
لا يكون واحداً بالشخص ، بل كثيراً به . وإذا جوّزنا ذلك ، وثبت أنّ هذا الطريق لم يوجد في الإنسان
المشار إليه ، ولكن مع ذلك لا يمكننا القطع بكونه إنساناً واحداً ، لإمكان وجود طريق آخر يقتضي ما
اقتضاه الأوّل من كثرة الإنسان الواحد وتعدّده بالشخص كما في البُعد ، وإن لم يعلم ذلك الطريق ، فيلزم
ممّا قالوه الشك في وحدة جميع الأشخاص .
الرابع : من المعلوم بالضرورة امتناع تداخل الأجسام ، والمعنيّ من امتناع تداخلها وجوب تباينها في
الأحياز ، بحيث يكون حيّز كلّ واحد منها يباين حيّز الآخر ويغايره ، والضرورة قاضية بإسناد هذا
الحكم في الأجسام إلى الشيء الذي له بذاته حصول في الحيّز والجهة ; لأنّ ما عداه من الصور
والأعراض لا مدخل له في هذا الامتناع ، لأنّ ما لا يكون بذاته حاصلاً في الحيّز استحال أن يقتضي أن
يكون بذاته حاصلاً في جهة غير جهةِ شيء آخر ، ومعلوم أنّ الذي لذاته يقتضي الحصول في الحيّز ،
إنّما هو المقدار ، فإنّ الهيولى متجرّدة في ذاتها عن الوضع والمكان ، وإنّما يعرض لها ذلك بواسطة
المقدار ، والصورة أيضاً لا مدخل لها في ذلك ، إذ لا مقدار لها حتى يمانع الداخل في المكان ، وليست
في ذاتها شاغلة للحيّز ، ولأنّ الجسم قد يزداد مكانه لازدياد مقداره بواسطة التخلخل ، وينقص مكانه
لنقص مقداره بواسطة التكاثف ، مع بقاء الصورة الجسمية في الأحوال كلّها . وكذا الصورة النوعية
وجميع الأعراض لا حظّ لها في شغل الحيّز ولا ممانعة الغير فيه بالذات ، بل الشاغل بالذات الممانع
للغير فيه ليس إلاّ المقدار ، فامتناع المداخلة إنّما حصل بالذات للمقدار ، وبالعرض لغيره .
نهاية المرام في علم الكلام — صفحة 393
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٩٣