وإن عنيتم به أنّ كلّ بُعد من جسميته يقتضي بُعداً يكون فيه ، فهو مصادرة على المطلوب الأوّل .
وفيه نظر ، لأنّ الأوّل غير ممكن الإرادة ، وإلاّ لزم أن يكون كلّ جسم كذلك ، فالمحيط له محيط ، ويلزم
عدم تناهي الأبعاد ، وهو محال . بل المراد المعنى الثاني ، وليس مصادرة على المطلوب الأوّل ، بل هو
حكم ضروري يشهد به العقل ، فإنّا نعلم بالضرورة أنّ أبعاد الجسم مساوية للأبعاد التي داخلها الجسم .
وعلى ب : بأنّه يلزم ممّا فرضتموه وجود البُعد ، ولكنّ الذي فرضتموه محال عندنا ، واللازم عن
المحال لا يجب أن يكون صحيحاً ، بل يجوز أن يكون محالاً .
وفيه نظر ، لأنّ المحال لم يلزم من فرضنا ، بل من الخلاء ، لا من إثبات البُعد ; لأنّ العقل حاكم بثبوته ،
أقصى ما في الباب أنّكم تدّعون وجوب انتفاء الخلاء ، ونحن ننازعكم فيه على ما يأتي ، ولكنّ ذلك لا
مدخل له في إثبات البُعد ونفيه .
وعلى ج : إن عنيتم بسكون الطير في الهواء ، عدم تبدّل نسبته إلى الأُمور الثابتة ، فهو ساكن بهذا المعنى ،
لكن لِمَ قلتم إنّ السكون بهذا المعنى يقتضي الاستقرار ( 1 ) في مكان واحد ؟ ! وإن عنى بالسكون نفس
الاستقرار في مكان واحد ، فهذا الجسم ليس بساكن .
ثمَّ المتحرك إن عنى به ما يكون مبدأ المفارقة للأُمور الثابتة فيه من ذاته أو من غيره ، فهذا متحرك . وإن
عنى به ما يكون مبدأ المفارقة من ذاته ، فهذا ليس بمتحرك ولا ساكن ، ولا امتناع في ذلك ، فإنّ الجسم
في الآن ليس بمتحرك ولا ساكن .
وفيه نظر ، فإنّ كلّ عاقل يجزم بسكون الطير في الهواء ، والحجر في الماء ، وإن
هامش
1 . كذا في المباحث المشرقية ، وفي المخطوطة : « الاستمرار » ومثله فيما يأتي لاحقاً .