أخذ العقل يشك في وجود الماضي في الماضي ، ووجود المستقبل في المستقبل ، لشكّ في أنّ زيداً لم
يعدم ، وأنّ عمراً الذي لم يخلق موجود ، هذا عين السفسطة .
ثمّ قوله : « إنّه موجود في حدّه » إن أراد به أنّ الماضي موجود في الماضي ، والمستقبل موجود في
المستقبل ، لزم أن يكون للزمان زمان ، ويتسلسل . وإن عنى به أنّ الماضي والمستقبل موجودان مطلقاً ،
على معنى أنّ الوجود قد حصل لهما بالفعل ، ولم يلحقهما العدم بعد ذلك ، لزم الحكم ببقائهما
موجودين ، والضرورة تدفع كلّ ذلك ، وليس حالهما حال عدم السماء في الأرض ، لأنّ للسماء وجوداً
محقّقاً بخلاف الماضي والمستقبل اللّذين حكمت الضرورة بعدمهما ، ومن جعل الآن جزءاً من
الزمان جعله منقسماً إلى أجزاء لا تتجزّأ ، وأمكن أن يقسّم بقسمين مختلفين ومتساويين كالأجسام ،
والحكم بوجود الآن يستدعي انقسام الزمان بالفعل ، والبحث في كيفية عدم الآن سيأتي إن شاء اللّه
تعالى .
الوجه الثالث : لو كان الزمان موجوداً لكان واجب الوجود لذاته ، والتالي باطل فالمقدّم مثله .
بيان الشرطية : أنّه لو كان موجوداً وفرضناه قابلاً للعدم فليفرض أنّه عدم ، فيكون عدمه بعد وجوده
بعديّة لا يوجد فيها البعد مع القبل ، وهذه البعدية لا تتحقّق إلاّ عند تحقّق الزمان ، فيلزم من فرض عدم
الزمان وجوده ، وذلك محال . فإذن مجرد فرض عدمه يستلزم المحال ، ففرض عدمه محال ، فهو
واجب لذاته . وأمّا بطلان التالي فظاهر ، أمّا أوّلاً فلتركّبه من الأجزاء وكلّ مركب ممكن . وأمّا ثانياً فلأنّ
كلّ جزء منه حادث ، والواجب لذاته ليس بحادث . وأمّا ثالثاً فلأنّ كلّ جزء منه يعدم ، وواجب الوجود
يستحيل أن يعدم . وأمّا رابعاً فلأنّه قائم بالحركة القائمة بالجسم ، فهو محتاج إلى محلّه وواجب
الوجود ليس بمحتاج .
اعترض أفضل المحقّقين : بأنّ فرض عدم الزمان بعد وجوده ، يكون فرض
نهاية المرام في علم الكلام — صفحة 340
مساهمون: الشيخ جعفر السبحاني
ص٣٤٠