البحث الرابع : في أنّ الجزئيات أولى بالجوهرية من الكليات
لمّا وجد الأوائل الخواص والكمالات التي للجوهرية في الجزئيات أكثر منها في الكليات ، حكموا
بأنّ الجوهرية للجزئيات أولى منها للكليات وإن لم تكن قبلها ( 1 ) ، فإنّه ليس الجوهر للجزئيات قبل
الكليات ، كما أنّ الوجود للواجب قبل الممكن ، لكن لمّا كانت اللواحق والكمالات العارضة للجوهر
لما هو هو في الجزئيات أكثر ، كان قوله عليها أولى . وبيانه من وجوه :
الوجه الأوّل : أنّ الاستغناء من جملة كمالات الجوهر وخواصه ، والكلي من الجواهر محتاج إلى
الشخص ، فإنّ الكلي إنّما يوجد لو كان الشخص موجوداً ، لأنّه إنّما يوجد في ضمنه ، فاحتاج في
الوجود إليه . والشخص غني عن الكلي ، لأنّ الكلي هو المقول على كثيرين ، ولو احتاج الشخص إلى
الكلي لاحتاج إلى الشخص الآخر بحيث يوجد معه ، ليكون الكلي مقولاً عليهما ( 2 ) .
وفيه نظر ، فإنّ الكلي إن أُريد به هنا العقلي لم يكن جوهراً . فلا يقال : إنّ الجوهرية للجزئي أولى منه ،
وإن أُريد به الكلي الطبيعي ، لم يتمّ لأنّه جزء الشخص ، وجزء الشخص مستغن عنه والشخص محتاج
إليه ، فكانت الجوهرية للكلي أولى منه للشخص ، ولأنّ الكلي الطبيعي لا يحتاج في مقوليته على
الشخص إلى شخص آخر ، بل ذلك في الكلي العقلي الذي يمتنع أن يكون شخصاً واحداً .
الوجه الثاني : تقدمه بحسب استقرار ( 3 ) الأمر المعتبر في الجوهرية - وهو الوجود لا في موضوع - ،
فإنّ الجوهرية هو كون الماهيّة بحيث إذا وجدت كانت لا في موضوع ، وأشخاص الجوهر قد ثبت لها
ذلك بالفعل ، وأمّا في كلياتها فإنّه منتظر
هامش
1 . انظر الفرق بين الأوّل والأولى في المباحث المشرقية 1 : 248 .
2 . نفس المصدر : 249 .
3 . في جميع النسخ : « استمرار » ، والظاهر أنّ الصواب ما أثبتناه طبقاً للمعنى والمباحث المشرقية .