عن العدم بعدم الإخبار عنه غير متناقض للتغاير في الموضوعات ، فإنّ ما ليس بثابت في الذهن له
ثبوت ذهني ، لأنّ هذا السلب متصوّر والمنسوب إليه هذا السلب ليس له ثبوت أصلاً . فهنا اعتباران :
سلب الثبوت ذهناً ، والمنسوب إليه هذا السلب ، فبالاعتبار الأوّل أمكن الحكم عليه دون الاعتبار الثاني
من غير تناقض ، لعدم اتّحاد الموضوع فيهما ، وإنّما حصل لنا تصوّر سلب الثبوت المطلق ، لأنّ للذهن
أن يتصوّر جميع الأشياء حتّى عدم نفسه ، فإذا تصوّر الوجود المطلق وتصوّر عدمه فقد تصوّر سلب
الثبوت المطلق ( 1 ) .
البحث الثاني : في أنّ المعدوم ليس بشيء ( 2 )
هذه مسألة عظيمة وقع الخلاف فيها بين النفاة والمثبتين مع أنّها ظاهرة .
وتقرير الكلام في ذلك أن نقول : المعدوم إمّا أن يكون ممتنع الثبوت ، ولا
پاورقی
1 . راجع تجريد الاعتقاد ، المسألة السابعة والثلاثون من الفصل الأوّل ، والأسفار 1 : 238 و 344 - 350 .
2 . أُنظر مقالات الإسلاميين : 158 ; المحصل : 78 ; المباحث المشرقية 1 : 134 ; معالم أُصول الدين : 30 ; تجريد الاعتقاد ،
المسألة الحادية عشرة من الفصل الأوّل ; المواقف : 53 ; الأسفار 1 : 75 ; شوارق الإلهام : 57 ; الفصل الرابع من المقالة الأُولى
من إلهيات الشفاء ، وتعليقة صدر المتألهين عليه ص 26 .
أقول : هذه المسألة تختلف مع مسألة الحال ، لأنّ المعتزلة كانوا يعبّرون عن الصفات والأسماء الثابتة للموجودات
بالأحوال ، وفي ما نحن فيه يثبتون الشيئية نحواً من الثبوت للمعدومات الممكنة ، فالموضوع في مسألة الحال صفات
الموجود مثل السوادية والبياضية والقادرية وغير ذلك ، ممّا لا يوصف بالوجود ولا العدم ، وسمّوها الحال ، وهي واسطة
بين الوجود والعدم .
وأمّا الموضوع ههنا فهو المعدوم الممكن المقابل للمعدوم الممتنع . هذا ، وقد جعل الشهرستاني بين المسألتين نحواً من
الاتحاد ، وابتناء إحداهما على الأُخرى ، ثم حكم بالتناقض بين قولهم بشيئية المعدوم والقول بالحال ، نهاية الاقدام في علم
الكلام : 158 - 159 ولكن الحقّ اختلاف المسألتين لاختلاف موضوعهما ، كما عرفت .