الفصل الثالث
مناقشة المنهج اللفظي
لقواعد النحويين
إشكالات وضع القواعد
إذا حاولنا دراسة تاريخ وضع قواعد النحو على ضوء المناقشات التي جرت بين النحويين ، فإننا نكتشف مسألةً بالغةَ الأهمية والخطورة ، لم تناقش إلى الآن .
إذ من المعلوم أنَّ لكلِّ علمٍ أصوله وقواعده ، سواء كانت خاطئةً أم صحيحةً أم خليطاً من هذا وذاك . فالعلم الوحيد الذي يفتقر إلى أصول العلم هو علمُ النحو .
فكأنَّ العلمَ وأصولَه قد توحّدا في هذا الفرع من الدراسات ، وأصبحت المناقشات التي كان يجب أنَّ تتمخّض عن وضع أصولٍ لعلم النحو . . أصبحت هي علمُ النحو ، وشيئاً فشيئاً ترسّخت في الأذهان وجرت بها الألسن والأقلام . فكانت تلك القواعد شيئاً يجوز الخروج عليه ولو لم ينزّل به سلطانٌ أو كان مناقضاً بعضه لبعض .
وهناك أمرٌ آخرٌ كان نتيجةً لذلك هو : أنَّ النحاة وضعوا قواعدهم على أساس التراكيب اللغوية كشواهد على تلك القواعد . وهذا بخلاف فكرة الوضع . . وألاّ فما أدراهم وأدرانا أنَّ الشواهد تلك مطابقةٌ لما أراده الواضع كائناً من كان ولو كان هو التاريخ نفسه .
وأما الذين يؤمنون بأنَّ الله هو خالق الأشياء وواضع الأسماء فإيمانهم بالنحو أشدّ تناقضاً مع إيمانهم بتلك الحقيقة ، إذ في الحالتين لا يمكن الجمع بين وضعٍ متأصِّلٍ للمفردات ، وبين قواعد مبنيةٍ على شواهدَ متأخرةٍ في الزمان .
وفوق ذلك كلّه فإنَّ الجمع بين القرآن وكلام الإنسان واعتبار الاثنين شواهد تصلح لوضع القواعد ، هو في الحقيقة جمعٌ للمتناقضَين إلاَّ إذا ظنَّ الجامعُ بعدم الفرق بين الاثنين .
وإذن فالنتيجة المتحصّلة من ذلك كلّه هي في أحد اثنين : أمَّا خطأ الشواهد العامة ، أو حصول تناقضٍ في القرآن يأباه العقل والإيمان .
وهناك أمرٌ ثالثٌ : فإنَّ الطريقة التي يفهم بها النحوي معنى التركيب ، هي التي تضع له قاعدة يدافع عنها ، ويضطرّه ذلك بالطبع إلى تأويلاتٍ تعسّفيةٍ