تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
والتعبير الأول معناه أنَّ العائش راضٍ عن العيشة ، ولكن ليس بمقدوره عدم الاهتمام بها ، لأنّك بهذا التعبير قد فصلته عنها . فعيشتُهُ صارت مقابلةً له . . وإذن فهو ينظر لها ويهتمُّ بها وإن كان راضياً بها ! . ولكن حينما تقول ( عاش الرجل عيشةً راضيةً ) فقد صارت العيشة هي الراضية فخرج بذلك عن الاهتمام بها خروجاً كاملاً وصارت هي المهتمة به ! . ولا توجد في الحقيقة عيشة على هذا النحو الأخير إلاَّ تلك التي يعطيها الربُّ العظيمُ لعباده الذين رضيَ عنهم . فانظر ماذا فعل حينما قال النحوي هذا : ( راضية بمعنى مرضية ) . . فقد جعلها نكداً علينا تارة أخرى وانظر كم هو الفرق بين قول الله تعالى وقوله . 4 . قوله تعالى : * ( وَاشتَعَلَ الرأسُ شَيبَا ) * ( مريم 4 ) قالوا : ( وإنَّما هو اشتعل الشيبُ في الرأس ) ! ولقد قالوا ذلك لأنَّهم لا يدرون ما معنى ( اشتعل ) ! نعم . . نحن نؤكّد لك أنَّ أهل العربية لا يعرفون لغتهم ، وستجد ذلك في ألوف المواضع من مفردات القرآن وفي المعاجم . إننّا نسألكَ : ( هل تشعل السراج بالنار أم تشعل النار بالسراج ؟ أيُّهما أصحّ ؟ ) العبارة الأولى هي الصحيحة ، لأنَّ النار لا تشتعل فهي نفسها شعلةٌ فهل يصحّ أنَّ تقول ( أشعلُ الشعلة ) ؟ ! إنَّمَا هم قد ظنّوا أنَّ النار تشتعل ! وصحّ عندهم القول ( اشتعلت النار في دار فلان ) ، وإنَّما هو ( اشتعلت دار فلان بالنار ) . وعليه فإنَّ الرأس هو الذي يشتعلُ شيباً لا العكس ، والأمر كما ذكره الله تعالى لأَنَّه شبّه الشيبَ بالنار ولم يكن التشبيه للرأس . كلُّ هذا ونحن معهم على أنَّه تشبيهٌ ! بينما هو وفق المنهج الذي نحن عليه حقيقةٌ لا تشبيهٌ لأنَّ الاشتعال على المعنى الأصلي هو ( الانتشار السريع لأمرٍ ما في شيءٍ ما ) ، ولا يخص النار وحدها بناءً على الأصل اللغوي . الذي يفصل بين الدلالة والإطلاق بما سبق وأوضحناه في مباحث نظرية اللغة الموحدة الجزء الثاني . ولذلك كانت الضرورة تقتضي ذكر المفعول دوماً فنقول : ( اشتعلت دار فلانٍ ناراً أو بالنار ) لأنَّها ممكن أنَّ تشتعل بأيِّ شيءٍ آخرٍ له القدرة على الانتشار