تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النظام القرآني — صفحة 10

مساهمون:

ص١٠
ولتوضيح ذلك : إن المتكلِّمَ إذا تكلّم عن شيءٍ ما فقد تكلّم ضمناً عن نفسه أيضاً ، ولمّا كانت معرفة الله لا نهائية ، فتبقى معرفة كلامه لا نهائية أيضاً . وإذا كان ذلك يبدو مجرّد أمرٍ منطقيٍّ وحسب فإنّ كشف المنهج اللفظي للنظام القرآني سيجعل القارئ على ثقةٍ من صحّة هذا الأمر عملياً . الثالث : مبدأ التغاير عن كلام المخلوقين : يؤمن هذا المنهج بأنّ كلام الخالق مغايرٌ لكلام المخلوقين وإنْ تشابهت بعض الألفاظ اتفاقاً . وفائدة هذا المبدأ هي في أنّه يطبّقُ لأوّل مرّةٍ عملياً داخل منهجٍ تفسيريٍّ ليكون جزءً منه ودعامةً من دعائم حركته ، وبذلك يمكنه وضع الحدود الفاصلة بين الكلام المعجز والكلام غير المعجز . ولهذا المبدأ ثلاثة أسسٍ هي : أولاً : إنّ اللفظ عند المخلوق له معنىً اتفاقيٌّ ( اصطلاحيٌّ ) جرى عليه العرف . أما في كلام الخالق فله معنىً أصليٌّ يسمّيه المنهج اللفظي ( المعنى الحركي ) ، وهو أصل جميع المعاني . فإذا صادف أن يكون الاستعمال الاصطلاحي في مجرى المعنى الحركي فهو جزءٌ منه ، وألاّ فهو خلاف الأصل ، وإذن فهو استعمالٌ مخطوءٌ وإن كان موغلاً في القدم . والمنهج اللفظيُّ يتمكّن من معرفة المسار إلى المعنى الحركي بطريقتين ، إحداهما من خلال عملية الاقتران المتعدّد ، وهي موضوع هذه المقدّمة . وأمّا الطريقة الثانية فسيعلن عنها بعد حين . وسيجد هذا المنهج خلال ذلك أن كثيراً من الألفاظ القرآنية التي نزل بها القرآن لم يكن فيها شيءٌ من الاصطلاح يجري في مجراها . وهذا يعني أن مراد الله شيءٌ ، وما كنّا نفهمه منها شيءٌ آخر . ثانياً : إن العبارة القرآنية هي جزءٌ من النظام القرآني كلّه ، فهي متّسقةٌ في سياقه مع العبارات الأخرى اتساقاً تاماً . مثلها في ذلك مثل الجسيم الذي يمثّل جزءً من النظام الذرّي ، ومثل الكوكب في النظام الشمسي ، ومثل النجم في النظام السديمي . بينما تكون العبارة التي يقولها المخلوقُ منتظمةً ضمن عباراته الأخرى انتظاماً ظاهرياً وحسب ، وهي مناقضةٌ في أحايين كثيرةٍ لعباراته الأخرى . فكلام الخالق بعضهُ من بعضٍ وبعضهُ لبعضٍ ، وله شاهدٌ من نفسهِ ولا شاهد له من غيره . وهذه ضرورةٌ منطقيةٌ لكلام الإله الذي كلامه صورةٌ أخرى