فلمّا عدت من دير العاقول خرج علينا اللصوص في سفن عدّة بسلاح شاك « 1 » في نحو مائة رجل ، وهو كالعسكر العظيم .
وكان معي غلمان يرمون بالنشّاب ، فحلفت أنّ من رمى منهم سهما ضربته إذا رجعت إلى المدينة ، مائتي مقرعة « 2 » ، وذلك إنّني خفت أن يقتل أحد منهم ، فلا يرضون إلَّا بقتلي .
وبادرت فرميت بجميع ما كان معي ، ومع الغلمان ، من السلاح ، في دجلة ، واستسلمت طلبا لسلامة النفس .
وجعلت أفكَّر في الطالع الذي خرجت به ، فإذا ليس مثله ممّا يوجب عندهم قطعا ، والناس قد أديروا إلى الشاطئ ، وأنا في جملتهم ، وهم يضربون ، ويقطَّعون بالسيوف .
فلمّا انتهى الأمر إليّ ، جعلت أعجب من حصولي في مثل ذلك ، والطالع لا يوجبه .
فبينا أنا كذلك ، وإذا بسفينة رئيسهم قد دنت ، وطرح عليّ « 3 » كما صنع بسائر السفن ، ليشرف على ما يؤخذ .
فحين رآني زجر أصحابه عنّي ، ومنعهم من أخذ شيء من سفينتي ، وصعد بمفرده إليّ ، وجعل يتأمّلني ، ثم أكبّ علي يديّ يقبّلهما ، وهو متلثّم .
فارتعت ، وقلت : يا هذا ، ما شأنك ؟
فأسفر عن لثامه ، وقال : أما تعرفني يا سيّدي ؟
هامش
« 1 » ( 1 ) السلاح الشاك : هو السلاح التام المعد للقتال .
« 2 » ( 2 ) المقرعة : العصا والخشبة يقرع بها ، راجع حاشية القصة 4 / 12 من النشوار .
« 3 » ( 3 ) طرح عليه : يعني طرح على سفينته ما يمسك السفينة عن الحركة ، وبعد ذلك يمد إليها لوحة تسمى : الدوسه ، وهي التي يدوس عليها من أراد الوصول إلى السفينة ، وهذه الكلمة لم تزل مستعملة في بغداد .