وحتى رأيت في شارع الخلد « 1 » قردا معلَّما ، يجتمع الناس عليه .
فيقول له القرّاد : تشتهي أن تكون بزّازا ؟
فيقول : نعم ، ويومئ برأسه .
فيقول : تشتهي تكون عطَّارا ؟
فيقول : نعم ، برأسه .
فيعدّد الصنائع عليه ، فيومئ برأسه .
فيقول له في آخرها : تشتهي تكون وزيرا ؟
فيومئ برأسه : لا ، ويصيح ، ويعدو من بين يدي القرّاد ، فيضحك الناس .
قال : وتلي سقوط الوزارة ، اتّضاع الخلافة ، وبلغ صيّورها « 2 » إلى ما نشاهد ، فانحلَّت دولة بني العباس ، بانحلال أمر القضاء .
وكان أول وضع ابن الفرات من القضاء ، تقليده إيّاه ، أبا أميّة الأحوص الغلابيّ البصريّ « 3 » ، فإنّه كان بزّازا ، فاستتر عنده ابن الفرات ، وخرج من داره إلى الوزراة .
هامش
« 1 » الخلد : قال ياقوت في معجم البلدان ( 2 / 459 ) : الخلد قصر بناه المنصور ببغداد على شاطىء دجلة سنة 159 . وكان موضع البيمارستان العضدي اليوم أو جنوبه ، وبنيت حواليه منازل ، فصارت محلة كبيرة ، عرفت بالخلد .
« 2 » الصيور : منتهى الأمر وعاقبته .
« 3 » في ب الأخوص الفلاني ، والتصحيح عن المنتظم ؛ وقد جاء فيه : أن اسمه الأحوص ( بالحاء ) ابن المفضل بن غسان بن المفضل بن معاوية بن عمر بن خالد بن غلاب فهو الأحوص الغلابي ( بالغين والباء ) ، وغلاب امرأة ، وهي أم خالد بن الحارث بن أوس بن النابغة ، روى أبو أمية عن أبيه كتاب التاريخ ، وروى عن جماعة ، وكان يتجر في البز ببغداد ، وولاه ابن الفرات القضاء ، فكان عفيفا متصونا ، ولما نكب ابن الفرات قبض أمير البصرة على أبي أمية وأدخله السجن ، فأقام فيه مدة ومات سنة 300 ( المنتظم 6 / 116 ) .