فاستشاط ، وقال : لا ، ولا كرامة له ، ولا أربعة آلاف ألف ، ولا ثمانية آلاف ألف .
وقال لي الفضل : ما دمت ترفّهه ، وتكرمه ، وتجلسه على الدسوت ، وتخدمه بنفسك وغلمانك ، كيف لا يتقاعد ؟
فقلت له : فتسلَّمه أنت إن شئت .
فقال الخليفة [ 44 ب ] : خذه إليك .
فأخذه ، وأرهقه ، وطالبه بعشرة آلاف ألف ، ودهقه « 1 » ، وضربه ، وهو لا ينحلّ بشيء .
فنزل معه إلى خمسة آلاف ألف ، فلم يستجب .
فقنع منه بثلاثة آلاف ألف ، فلم يجب .
فلما زاد عليه المكروه ، وخاف الفضل أن يتلف في العذاب ، فيجب المال عليه في نفسه بإتلافه إيّاه ، رفق به ، وداراه ، وخلع عليه ، ورفّهه أيّاما .
وقال له : كان محمد بن يزداد بذل عنك ألفي ألف درهم ، وقد قنعت بها منك ، فهاتها .
فقال : ما ملكتها قط ، ولا بذلتها لمحمّد .
فجاء الفضل إلى المأمون ، فاقتصّ عليه خبره معه ، في معاقبته ، ومطالبته أولا ، بالكلّ ، واقتصاره ثانيا ، وترفيهه له ، وإكرامه ، وقناعته منه بألفي ألف درهم ، وإقامته على أنّه لا مال له ، وإنكاره [ 40 ط ] أن يكون بذل ذلك ، وكنت حاضرا .
فانقطع الحبل في يد المأمون ، وكاد يهمّ بالفضل .
هامش
« 1 » الدهق : آلة تعذيب تشتمل على خشبتين يضيق بهما على ساقي المعذب .