خير هذه الأمة كلها نفسا وأبا وأما ، أضيعها دما وأذلَّها أهلا ! » قال الحسين : فأين أذهب يا أخي ؟ قال : « انزل مكة ، فإن اطمأنت بك الدار فسبيل ذلك ، وإن نبت بك لحقت بالرمال وشعف الجبال [ 1 ] وخرجت من بلد إلى أخرى ، حتى تنظر إلى ما يصير أمر الناس ، ويفرق لك الرأي ، فإنك أصوب ما تكون رأيا وأخرمه عملا حين تستقبل الأمور استقبالا ، ولا تكون الأمور أبدا أشكل منها حين تستدبرها ! » قال : قد نصحت وأشفقت وأرجو أن يكون رأيك سديدا موفقا إن شاء اللَّه .
ثم دخل المسجد وهو يتمثل بقول يزيد بن مفرّغ :
لا ذعرت السّوام في شفق [ 2 ] الصّبح
مغيرا ولا دعيت يزيدا
يوم أعطى من المهابة [ 3 ] ضيما
والمنايا يرصدننى أن أحيدا
ثم خرج نحو مكة وهو يتلو * ( فَخَرَجَ مِنْها خائِفاً يَتَرَقَّبُ قالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ) * [ 4 ] ، ولما دخل مكة قرأ * ( ولَمَّا تَوَجَّه تِلْقاءَ مَدْيَنَ قالَ عَسى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَواءَ السَّبِيلِ ) * [ 5 ]
هامش
[ 1 ] شعف الجبال : رؤسها .
[ 2 ] كذا جاء « شفق » في الأصل مثل الكامل لابن الأثير ج 3 ص 265 والمعروف فيه « فلق » كما جاء في تاريخ الطبري ج 4 ص 253 ومروج الذهب المسعودي ج 2 ص 86 والخصائص لابن جنى ج 3 ص 273 وشرح ابن أبي الحديد لنهج البلاغة ج 1 ص 302 وجاء في ترجمة يزيد بن مفرغ من وفيات الأعيان ج 3 ص 315 « غلس » .
[ 3 ] كذا جاء في الأصل وتاريخ الطبري ، وجاء في الكامل « من المهانة » وفى شرح ابن أبي الحديد « من المخافة » ، وفى وفيات الأعيان « على المخافة » ، وفى مروج الذهب ( مخافة الموت » .
[ 4 ] الآية 21 من سورة القصص .
[ 5 ] الآية 22 من سورة القصص .