فإذا انقضت مدّتها ، وانقرضت عدّتها ؛ وانتقلت من العين إلى الأثر ، ومن العيان إلى الخبر ؛ رجعت إلى غيرها فقفوت أثرها ، وشرحت خبرها ، وبيّنت خبرها ؛ وذكرت أسبابها ، وسردت أنسابها ؛ وبدأت بأصلها ، وتفوّهت بأخبار من نبغ من أهلها ؛ واستقصيتها دولة بعد دوله ، وجالت بي خيول المطالعة جولة ناهيك بها من جوله ؛ ورغبت مع ذلك في الاختصار دون الاقتصار « 1 » ، وأوردت ما يحتاج إلى إيراده من غير تكرار ولا إكثار .
فإن عرضت واقعة كانت بين ملكين كان وقتهما واحدا ، وكان الدهر لأحدهما على الآخر مساعدا ؛ شرحتها بجملتها في أخبار الظاهر منهما ؛ وأحلت في أخبار المغلوب عليها ، واكتفيت بإيرادها في أحد الموضعين ولم أعرّج في الآخر إلا بالإشارة إليها .
وجريت في تقسيم هذا الفنّ على القاعدة التي تقدّمت فيما قبله من الفنون ليكون أبسط للنفوس وأنشط للخواطر وأقرّ للعيون ؛ وجعلته خمسة أقسام ، ووضعته على أحسن اتّساق وأكمل انتظام .
القسم الأوّل في مبدأ خلق آدم - عليه السلام - وحوّاء وأخبارهما ومن كان بعد آدم إلى نهاية خبر أصحاب الرّس ، وفيه ثمانية أبواب :
الباب الأوّل - في مبدأ خلق آدم وحوّاء - عليهما السلام - وما كان من أخبارهما إلى حين وفاتهما .
الباب الثاني - في خبر شيث بن آدم - عليهما السلام - وأولاده .
الباب الثالث - في أخبار إدريس النبىّ عليه السلام .
هامش
« 1 » يستفاد من سياق هذه العبارة أن الفرق بين الاختصار والاقتصار أن المراد بالأوّل : الإيجاز في شرح كل حادثة مع ذكر جميع الحوادث وعدم ترك واحدة منها . وبالثاني ، الاكتفاء بذكر بعض الحوادث عن بعض .