فلما كان من الغد خرج هود فوقف عليهم وقال : يا قوم لا تبدّلوا نعمة اللَّه كفرا . وأخذ يعظهم ؛ فكذّبوه وواجهوه بالقبائح ؛ فبقى على ذلك دهرا طويلا يلاطفهم وهم على كفرهم وعتوّهم ؛ فأعقم اللَّه أرحام نسائهم ، فلم تحمل امرأة منهم ؛ فشكوا ذلك إلى الملك ، فأمرهم أن يخرجوا أصنامهم ويقرّبوا القرابين إليها ؛ ففعلوا ذلك ؛ فأتاهم هود وقال : يا قوم ألا تفزعون إلى اللَّه الَّذى خلقكم وأعطاكم هذه النعمة والقوّة ، فإنه مجيبكم إذا سألتموه ، ويزيدكم ملكا إلى ملككم وقوّة إلى قوّتكم وهو أن تقولوا معي : « لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له وإني هود عبده ورسوله » وإن لم تفعلوا ذلك ضربكم اللَّه بالذلّ والنّقمة ، وهبّت عليكم الريح العقيم حتّى تذركم في دياركم هشيما . فلمّا سمعوا ذلك منه ضربوه حتى سال الدم على وجهه وهو يقول :
« إلهي قد أبلغت وأنذرت » .
وأقبل إلى هود بعد انصرافه رجل من قومه يعرف بمرثد بن عاد ، وقال :
يا هود ، إنّى قد جئتك في أمر ، فإن أخبرتني به فأنت رسول اللَّه . قال له هود :
يا مرثد ، كنت البارحة نائما مع زوجتك فواقعتها ، فقالت لك : أتظنّ أنى قد حملت ؟
فقلت لها : إني صائر غدا إلى هود ، فإن أخبرني بهذا الكلام آمنت به . فقال مرثد :
أشهد أنّك رسول اللَّه حقا ؛ ولكن أخبرني هل حملت ؟ قال : نعم حملت بولدين ذكرين يكونان من أمّتى ، سيخرجان من بطنها سليمين مؤمنين ؛ وستلد لك عشرة أبطن في كلّ بطن ذكران ، ويكونان من أمّتى . فوثب مرثد وقبّل رأس هود وكان من خيار أصحابه ، وجعل مرثد يقول :
من كان يصدق يوما في مقالته
فإنّ هودا رسول صادق القيل
نبىّ صدق أتى بالحقّ من حكم
وقد أتانا ببرهان وتنزيل
فالحمد للَّه حمدا دائما أبدا
مضاعفا « 1 » شكره في كلّ تفصيل
هامش
« 1 » مضاعفا بالنصب : حال من اللَّه .