ووضعه عند مطلع الشمس ؛ ثم أتى ملك الموت ، فقال : لي إليك حاجة . قال :
أفعل كلّ شئ أستطيعه . فقال له : صديق لي من بني آدم يتشفّع بي إليك أن تؤخّر أجله . فقال : ليس ذلك إلىّ ، ولكن إن أحببت أعلمه أجله مى يموت فيتقدّم في نفسه . قال : نعم . فنظر في ديوانه ، فأخبره باسمه ، فقال : إنك كلَّمتنى في إنسان ما أراه يموت أبدا . ثم قال : إني لأجده يموت عند مطلع الشمس .
قال : فإنّى أتيتك وتركته هناك . قال : فانطلق فإنّه قد مات ، فو اللَّه ما بقي من أجل إدريس شئ . فرجع الملك فوجده ميتا .
قال : وقال وهب : كان يرفع له في كلّ يوم من العبادة مثل ما يرفع لأهل الأرض في زمانه . فعجبت منه الملائكة ، فاشتاق إليه ملك الموت ، فاستأذن اللَّه تعالى في زيارته ، فأذن له ، فأتاه في صورة غلام ؛ وكان إدريس يصوم الدهر كلَّه فلمّا كان في وقت إفطاره دعاه إلى الطعام ، فأبى أن يأكل معه ، وفعل ذلك ثلاث ليال ، فقال له إدريس في الليلة الثالثة : إنّى أريد أن أعلم من أنت . قال :
أنا ملك الموت ، استأذنت ربّى أن أزورك وأن أصاحبك ، فأذن لي في ذلك .
فقال له إدريس : فلى إليك حاجة . قال : وما هي ؟ قال : اقبض روحي ؛ فأوحى اللَّه تعالى إليه : « اقبض روحه » . ففعل ، ثم ردّها اللَّه تعالى إليه بعد ساعة ، فقال له ملك الموت : فما الفائدة في سؤالك قبض الروح ؟ قال : لأذوق كرب الموت وغمّه فأكون له أشدّ استعدادا .
ثم قال : لي إليك حاجة أخرى ، قال : وما هي ؟ قال : ترفعنى إلى السماء لأنظر إليها وإلى الجنّة والنار . فأذن اللَّه تعالى له في ذلك ، فلمّا قرب من النار قال :
لي إليك حاجة . قال له : وما تريد ؟ قال : تسأل مالكا حتى يفتح لي أبوابها فأردها . ففعل ؛ ثم قال له إدريس : فكما أريتني النار فأرني الجنّة . فذهب إلى
نهاية الأرب في فنون الأدب — صفحة 41
مساهمون: النويري
ص٤١