ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول منكم أعمارا ، وأوضح منكم آثارا ؛ وأعد عديدا ، وأكثف جنودا ، وأشدّ عقودا ، تعبّدوا « 1 » للدنيا أىّ تعبّد ، وآثروها أىّ إيثار ، وظعنوا « 2 » بالكره والصّغار ، فهل بلغكم أنّ الدنيا سمحت لهم نفسا بفدية ، أو أغنت عنهم فيما قد أهلكتهم بخطب « 3 » ؟ بل قد أرهقتهم بالفوادح ، وضعضعتهم بالنوائب ، وعقرتهم بالفجائع ؛ وقد رأيتم تنكَّرها لمن رادها وآثرها وأخلد إليها ، حين ظعنوا عنها لفراق الأبد ، إلى آخر المسند « 4 » ؛ هل زوّدتهم إلا السّغب ، وأحلَّتهم إلا الضّنك ، أو نوّرت لهم إلا الظَّلمة ، أو أعقبتهم إلَّا الندامة ؟ أفهذه تؤثرون ، أم على هذه تحرصون ، أم إليها تطمئنون ؟ يقول اللَّه تعالى : * ( مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ ) * فبئست الدار لمن أقام فيها ، فاعلموا إذ أنتم تعلمون أنكم تاركوها لا بدّ ، فإنما هي كما وصفها اللَّه باللعب واللَّهو ، وقد قال اللَّه [ تعالى ] : * ( أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ وتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ ) * .
وذكر الذين قالوا : من أشد منا قوّة ثم قال : لموا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا ، وأنزلوا فلا يرعون « 5 » ضيفانا ، وجعل اللَّه لهم من الضريح أكنانا « 6 » ، ومن الوحشة ألوانا ، ومن الرّفات جيرانا « 7 » ؛ وهم في جيرة لا يجيبون داعيا ، ولا يمنعون ضيما ، إن
هامش
« 1 » تعبدوا للدنيا ، أي صيرتهم الدنيا عبيدا لها ، يقال : تعبد فلان فلانا إذا اتخذه عبدا ؛ وعبارة الأصل : « تعبدوا الدنيا » بإسقاط اللام ؛ واستقامة العبارة تقتضى إثباتها .
« 2 » في الأصل : « وطفقوا » وهو تحريف .
« 3 » الخطب : الشأن والأمر .
« 4 » المسند : الدهر
« 5 » في العقد الفريد : « يدعون » بالدال المهملة ؛ والمعنى يستقيم على كلتا الروايتين .
« 6 » في الأصل : « أحيانا » بالحاء والياء ؛ وهو تحريف لا يستقيم به المعنى .
« 7 » في الأصل : « حيوانا » وهو تصحيف .