ظلمه بملء فيه ؛ وربما يعجّل له العقوبة في دنياه ، ويضاعف عليه العذاب في أخراه ، ويريه عاقبة بغيه في يوم ينظر المرء ما قدّمت يداه . نسأل اللَّه تعالى أن يحمينا أن نظلم أو نظلم ، وأن يجعلنا ممن فوّض أمره إليه وسلَّم ، ولا يمتحننا بمكروه ، فهو بضعفنا عن حمله أدرى ، وبعجزنا أعلم ، بمنّه وكرمه .
ذكر ما قيل في حسن السّيرة والرّفق بالرعيّة
قال اللَّه تعالى : * ( ولَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ ) * .
وروى عن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال :
« من أعطى حظَّه من الرفق فقد أعطى حظَّه من الخير كلَّه ، ومن حرم حظَّه من الرّفق فقد حرم حظَّه من الخير كلَّه »
. ولما ولى عمر بن عبد العزيز الخلافة أرسل إلى سالم بن عبد اللَّه ومحمد بن كعب فقال لهما : أشيرا علىّ ؛ فقال له سالم : اجعل الناس أبا وأخا وابنا ، فبرّ أباك ، واحفظ أخاك ، وارحم ابنك . وقال محمد بن كعب : أحبب للناس ما تحبّ لنفسك ، واكره لهم ما تكره لنفسك ، واعلم أنك أوّل خليفة يموت .
وكتب عمر بن عبد العزيز إلى عدىّ بن أرطاة : أما بعد ، فإذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق عليك ، واعلم أن مالك عند اللَّه مثل ما للرعيّة عندك .
وقال المنصور لابنه المهدىّ : يا بنىّ لا تبرم أمرا حتى تفكَّر فيه ، فإن فكرة العاقل مرآته تريه حسناته وسيئاته ؛ واعلم أن الخليفة لا يصلحه إلا التقوى ، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة ، والرعية [ 1 ] لا يصلحها إلا العدل ؛ وأولى الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة ، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه .
هامش
[ 1 ] كذا في العقد الفريد ( ج 1 ص 17 ) وفى الأصل : « والطاعة » .