فقلت : قدرا من هذه القدور ؛ فأفرغت قدرا بيني وبينها فأكلنا ، ودعت بالنبيذ فصبّت رطلا فشربت نصفه وسقتنى نصفه ؛ فما زلت أشرب حتى كدت أن أسكر .
ثم قالت : يا أبا الحسن ، غنّيت البارحة في شعر لأبى العتاهية أعجبني ، أفتسمعه [ 1 ] وتصلحه ؟ فغنّت :
عذيرى من الإنسان لا إن جفوته
صفا لي ولا إن صرت طوع يديه
وإنّى لمشتاق إلى ظلّ صاحب
يروق ويصفو إن كدرت عليه
فصيّرناه مجلسنا . وقالت : قد بقي فيه شئ ؛ فلم أزل أنا وهى حتى أصلحناه ، ثم قالت : أحبّ أن تغنّى أنت أيضا فيه لحنا ففعلت ، وجعلنا نشرب على اللحنين ثلاثا [ 2 ] . ثم جاء الحجّاب فكسروا الباب واستخرجونى ، فدخلت على المأمون فأقبلت أرقص من أقصى الإيوان وأصفّق وأغنّى بالصوت ؛ فسمع المأمون والمغنّون ما لم يعرفوه فاستطرفوه ، وقال المأمون : ادن يا علَّويه وردّده ، فردّدته عليه سبع مرات .
فقال لي في آخرها عند قولي : « يروق ويصفو إن كدرت عليه » : يا عليوه خذ الخلافة وأعطنى هذا الصاحب .
وقال علَّويه : قال إبراهيم الموصلىّ يوما : إني قد صنعت صوتا وما سمعه منى أحد بعد ، وقد أحببت أن أنفعك به وأرفع منك بأن ألقيه عليك وأهبه لك ، وو اللَّه ما فعلت هذا بإسحاق قطَّ ، وقد خصصتك به ، فآنتحله وادّعه ، فلست أنسبه إلى نفسي ، وستكسب به مالا . فألقى علىّ :
إذا كان لي شيئان يا أمّ مالك
فإنّ لجارى منهما ما تخيّرا
فأخذته عنه وادّعيته ، وسترته طول أيام الرشيد خوفا من أن أتّهم فيه وطول أيام الأمين ، حتى حدث عليه ما حدث وقدم المأمون من خراسان ، وكان يخرج
هامش
[ 1 ] كذا بالأغانى ؛ وليس في الأصل همزة الاستفهام .
[ 2 ] في الأغانى : « مليا » .