مع شاخته وهرمه ، ما امتنع قط عمن قصده ولا اعتذر إلا من ضرورة بينة ،
وكان قد تحصل عنده من الأعلاق النفيسة وأمهات الدواوين ما لم يكن
عند أحد من أبناء عصره وبنى مدرسة بسبتة ، ووقف عليها الكتب ، وشرع
في تكميل ذلك على السنن الجاري بالمدارس التي ببلاد المشرق ، فعاق
عن ذلك قواطع الفتن الموجبة لاخراجه عن سبتة وتغريبه ، فدخل الأندلس
في سنة إحدى وأربعين وست مئة فنزل المرية فبقي إلى سنة ثمان وأربعين ،
وأخذ عنه بها عالم كثير ، وأقرأ بها القرآن ، ثم قدم مالقة في صفر سنة ثمان .
وحدث بغرناطة ، وأخذ عنه بمالقة جلة ، كأبي عبد الله الطنجالي ، والأستاذ
حميد القرطبي ، وأبي ( 1 ) الزهر بن ربيع .
وكذلك عظمه وفخمه أبو عبد الله الأبار ( 2 ) ، وقال : شارك في عدة
فنون ، مع الشرف والحشمة والمروءة الظاهرة ، واقتنى من الكتب شيئا
كثيرا ، وحصل الأصول العتيقة ، وروى الكثير ، وكان محدث تلك الناحية .
حكى لي أبو القاسم بن عمران الحضرمي عن سبب إخراج الشاري
من سبتة أن ابن خلاص وكبراء أهل سبتة عزموا على تمليك سبتة لصاحب
إفريقية يحيى بن عبد الواحد ، فقال لهم الشاري : يا قوم خير إفريقية بعيد
عنا وشرها بعيد ، والرأي مداراة ملك مراكش . فما هان على ابن خلاص
وكان فيهم مطاعا فهيأ مركبا وأنزل فيه أبا الحسن الشاري وغربه إلى مالقة ،
وبقي بسبتة أهله وماله ، وله بسبتة مدرسة مليحة كبيرة .
قال ابن الزبير : توفي أبو الحسن رحمه الله بمالقة في التاسع
والعشرين من رمضان سنة تسع وأربعين وست مئة .
هامش
( 1 ) في الأصل : ( وأبو ) ولا يصح ذلك .
( 2 ) التكملة لكتاب الصلة ( النسخة الأزهرية ) ج 3 الورقة 80 بتصرف في الجملة