ثم إلينا ترجعون »
« 1 » . وقوله :
« إن إلى ربك الرجعى »
« 2 » .
إنّ حقيقة الموت التي تصدم الوعي الإنساني في كل لحظة وساعة ويوم ، مهّدت للإنسان أن يستوعب إلى حد كبير عوالم الآخرة ، وجعلته أكثر استعدادا لتفهّم آفاق حياة ما بعد الموت ، رغم أنّ الموت نفسه محفوف بالغموض والإبهام ؛ ليس للإنسان ان يعرف حقيقته أو يدرك كنهه أو يصل إلى ماهيته ، مع أنّه محيط به وواقع عليه في كل حال !
إنها بلا شك مفارقة غريبة في الوعي الإنساني أن يكون الموت حقيقة لأمراء فيها ، يعيشه الإنسان عيش بداهة وضرورة ، ويحيط بوجوده كما يحيط به الهواء ، إلّا انّه ليس له منه سوى وقعه الثقيل ، وسكراته المريرة ، إذ لا سبيل لعقله أن يدرك كنهه ، ولا قدرة لعلمه ان يحيط بحقيقته ، ولا مجال لوعيه أن يلامس ماهيته .
وعظمة هذه المفارقة أنها تشكّل المفتاح إلى وعي عوالم الآخرة ، وهي المثابة التي تقود إلى الطريق الصحيح لإدراك آفاق حياة ما بعد الموت . إذ ما يمنع الإنسان حينها وهو يعيش الموت كما يعيش حقيقة وجوده ( بل إنّ الموت جزء من وجود الإنسان نفسه ) ، رغم انّه يجهل حقيقته وكنهه وجوهره ؛ ما يمنعه ان يحمل بين جنبيه وعيا للمعاد وإيمانا مستقينا لمنازل حياة الآخرة ، إذا كانت الأدلة العقلية ( فلسفية وكلامية وحتى علمية ) تنهض على ذلك ، وإذا جاءت الأخبار الصادقة ( عن الصادق المصدّق وأهل بيته صوات اللّه عليهم أجمعين ) المتواترة تخبر به وتؤيّده ، وتتحدّث عن مراحله وأشواطه وما يؤول إليه مصير الإنسان بعد ذلك ؟
هل ثمةبعد ذلكإلى عدم الاعتقاد بالمعاد والإيمان بمنازل الحياة بعد الموت من مبّرر سوى العناد واللجاجة التي تجعل صاحبها يصحو ويستيقظ في الساعة التي يكون لسان حاله فيها : « ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نردّ ولا نكذّب
هامش
( 1 ) العنكبوت : 57 .
( 2 ) العلق : 8 .