ليقتله ، فهرب ، والتجأ إلى أعدائه ، ونفق عليهم تزخرفه وإفكه ، ثم عثروا
منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته ، وما يبطنه من الالحاد ، ويرومه في
الاسلام من الفساد ، وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح ، ويضيفه إلى
السلف الصالح من الفضائح ، فطلبه الوزير المهلبي ، فاستتر منه ، ومات في
الاستتار ، وأراح الله ، ولم يؤثر عنه إلا مثلبة أو مخزية ( 1 ) .
وقال أبو الفرج بن الجوزي : زنادقة الاسلام ثلاثة : ابن الراوندي ،
وأبو حيان التوحيدي ، وأبو العلاء المعري ، وأشدهم على الاسلام أبو
حيان ، لأنهما صرحا ، وهو مجمج ولم يصرح ( 2 ) .
قلت : وكان من تلامذة علي بن عيسى الرماني ( 3 ) ، ورأيته يبالغ في
تعظيم الرماني في كتابه الذي ألفه في تقريظ الجاحظ ، فانظر إلى المادح
والممدوح ! وأجود الثلاثة الرماني مع اعتزاله وتشيعه .
وأبو حيان له مصنف كبير في تصوف الحكماء ، وزهاد
الفلاسفة ، وكتاب سماه " البصائر والذخائر " ( 4 ) ، وكتاب " الصديق
هامش
( 1 ) انظر " طبقات " السبكي 5 / 287 .
( 2 ) ذكر قول ابن الجوزي السبكي في " الطبقات " 5 / 288 ، والسيوطي في " بغية
الوعاة " 2 / 191 . ولم نجد ترجمة أبي حيان في " المنتظم " ، وابن الجوزي ذكر نحوا من هذا
الكلام وبأوسع منه في ترجمة أبي العلاء المعري في " المنتظم " 8 / 183 ، 185 ، وقد دافع
السبكي عن أبي حيان ، فقال : الحامل للذهبي على الوقيعة في التوحيدي مع ما يبطنه من بغض
الصوفية ! هذان الكلامان ، ولم يثبت عندي إلى الآن من حال أبي حيان ما يوجب الوقيعة فيه ،
ووقفت على كثير من كلامه ، فلم أجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس ، مزدريا بأهل
عصره ، ولا يوجب هذا القدر أن ينال منه هذا النيل ، وسئل الامام الوالد رحمه الله عنه ، فأجاب
بقريب مما أقول : " الطبقات " 5 / 288 .
( 3 ) مرت ترجمته في الجزء السادس عشر .
( 4 ) نشر الجزء الأول منه الدكتور عبد الرزاق محيي الدين في بغداد سنة 1954 ، ونشره في
القاهرة سنة 1953 أحمد أمين وأحمد صقر . ثم طبع بتمامه في دمشق .