سابعا منزلة الذهبي العلمية :
لعل خير ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره
الكثيرة التي خلفها ، وتبيان قيمتها مقارنة بمثيلاتها ، ومدى اهتمام العلماء
والدارسين بها في العصور التالية ، والمساهمة الفعلية التي قدمتها للحضارة
الاسلامية .
وسيرة الذهبي العلمية ، استنادا إلى آثاره ، ذات وجوه متعددة يستبينها
الباحث الفاحص من نوعية تلك الآثار .
وأول ما يلاحظ الدارس هذا العدد الضخم من الكتب التي اختصرها
والتي تربي على خمسين كتابا ، معظمها من الكتب الكبيرة التي اكتسبت
أهمية عظيمة عند الدارسين ، والتي تعد من بين أحسن الكتب التي وضعت
في عصرها وأكثرها أصالة ، مما يدل على استيعاب الذهبي لمؤلفات
السابقين ، ومعرفته بالجيد الأصيل منها ، وتمتعه بقدرة ممتازة على الانتفاء .
ومما يثير الانتباه أن مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب
عليها الجمود والنقل ، بل إن المطلع عليها الدارس لها بروية وإمعان يجد فيها
إضافات كثيرة ، وتعليقات نفيسة ، واستدراكات بارعة ، وتصحيحات وتصويبات
لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه ، ومقارنات تدل على معرفته وتبحره
في فن الكتاب المختصر ، فهو اختصار مع سد نقص وتحقيق ونقد وتعليق
وتدقيق ، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذين أوتوا بسطة في العلم
ومعرفة بفنونه .
والذهبي حين يضيف إلى الكتاب المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد
نقص يعتري ذلك الكتاب . فحينما اختصر مثلا كتاب " أسد الغابة في
سير أعلام النبلاء — صفحة مقدمة الكتاب 46
مساهمون: الذهبي
صمقدمة الكتاب ٤٦