ولذا صبروا عليهم السلام وفي العين منهم قذى ، وفي الحلق شجي ، عملا
بهذه الأوامر المقدسية ، وغيرها مما عهد النبي إليهم بالخصوص ، احتياطا
على الأمة ، واحتفاظا بالشوكة ، وإيثار للدين ، وضنا بريح المسلمين ، فكانوا
عليهم السلام كما قلناه ( في المراجعات وغيرها من كتبنا ) يتحرون للقائمين ،
بأمور الأمة وجوه النصح ، وهم - من استئثارهم - على أمر من العلقم ويتوخون
لهم مناهج الرشد وهم - من تبوئهم عرشهم - على آلم للقلب من حز الشفار
تنفيذا للعهد ، وعملا بمقتضى العقد ، وقياما بالواجب عقلا وشرعا من تقديم
الأهم ( في مقام التعارض ) على المهم ، وبهذا محض أمير المؤمنين كلا من
الخلفاء الثلاثة نصحه ، واجتهد لهم في المشورة ، فإنه بعد أن يئس من حقه
في الخلافة شق بنفسه طريق الموادعة ، وآثر مسالمة القائمين بالأمر ، فكان يرى
عرشه - المعهود به إليه - في قبضتهم فلم يحاربهم عليه ، ولم يدافعهم عنه ،
احتفاظا بالأمة ، واحتياطا على الملة ، وضنا بالدين وإيثارا للأجلة على العاجلة ،
وقد مني بما لم يمن به أحد ، حيث وقف بين خطبين فادحين :
الخلافة بنصوصها وعهودها إلى جانب تستصرخه وتستفزه إليها بصوت
يدمي الفؤاد ، وشكوى تفتت الأكباد ، والفتن الطاغية ، إلى جانب آخر
تنذره بانتقاض الجزيرة وانقلاب العرب ، واجتياح الإسلام ، وتهدده بالمنافقين
من أهل المدينة وقد مردوا على النفاق ، وبمن حولهم من الأعراب وهم
منافقون بنص الكتاب ، بل هم أشد كفرا ونفاقا ، وأجدر ألا يعلموا حدود
النص والإجتهاد — صفحة 600
مساهمون: السيد عبد الحسين شرف الدين
ص٦٠٠