ولما غربت النبوة ، ولحق رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى ، طمع في
خلافته كثيرون من المهاجرين والأنصار ، وبدا للناس يومذاك أن بني هاشم كانوا يريدون
الخلافة فيهم ، ويرون عليا أحق الصحابة بها ، لمكانته العظمى من الرسول الكريم ، وسعة
علمه ، ومواقفه الخالدة في نصرة الإسلام ، فلا غرو إذا أقبل العباس عم النبي على ابن أخيه
علي يقول له : " ابسط يدك ولنبايعك " ، لكن عليا كرم الله وجهه تباطأ في قبول هذه
البيعة ، وظل متشاغلا بدفن الرسول العظيم . وانطفأت الفتنة ، وبويع أبو بكر رضي الله عنه
بما يشبه الإجماع ، وإذا بعلي كرم الله وجهه يبايعه أيضا بعد فترة يسيرة كان عاتبا فيها عليه ،
إذ كان يرى لنفسه من الحق بالخلافة أكثر مما كان لأبي بكر .
ولم يكن شيء أبغض إلى قلب علي من الخلاف يدب بين المسلمين ، فها هو ذا - رغم ما
كان يرى من حقه بالخلافة - يبايع أيضا عمر رضي الله عنه ، ويزوجه ابنته أم كلثوم ،
ويبادله عمر من معاني التكريم والإجلال أسماها ، فيستخلفه على المدينة إذا غاب عنها ،
ويستشيره في الخطوب ، ويستفتيه في قضايا التشريع قائلا فيه : " لولا على لهلك عمر " !
ولقد رفض عمر أن يعهد بالخلافة إلى ابنه عبد الله من بعده ، وظل في مشكلة الخلافة غير
مستقر على رأي ، حتى إذا طعنه أبو لؤلؤة المجوسي في أواخر سنة 23 ه آثر أن يحصر الأمر
في ستة من كبار أصحاب النبي ليتشاوروا ويختاروا واحدا منهم فيبايعه المسلمون . وأولئك
الستة هم : علي بن أبي طالب سيد بني هاشم ، وعثمان بن عفان شيخ بني أمية ، وطلحة بن عبيد
الله كبيرا بني تميم ، والزبير بن العوام زعيم بين أسد ، وسعد بن أبي وقاص وعبد الرحمن
ابن عوف رأسا بنى زهرة .
وربما مال أكثرهم - منذ بدء الشورى - إلى تولية عثمان ، لأن عبد الرحمن بن عوف
كان صهره ، وسعدا من أقربائه ، فضلا على سابقته في الإسلام ، وإصهار للنبي صلى الله
عليه وسلم مرتين في ابنتيه رقية وأم كلثوم . وبدا على رجال الشورى أن كلا منهم ود لو
يتخفف من تلك المسؤولية الضخمة ، إذ خلع كل نفسه وعهد إلى الآخر باختيار الخليفة ،
حتى إذا انتهى الأمر إلى عبد الرحمن أعلن في الحرم سنة 24 ه تولية عثمان . وامتعض بنو
هاشم لتحامل القوم عليهم ورغبتهم في إقصائهم ، ولكن عليا الذي يكره الخلاف بين المسلمين
آثر هذه المرة أيضا أن يطفئ الفتنة ، ويحقن الدماء ، فبايع عثمان كما بايع من قبل أبا بكر وعمر ،
وإن في العين قذى ، وفي الحلق شجا .
نهج البلاغة — صفحة 8
مساهمون: خطب الإمام علي ( ع )
ص٨