الكتاب ؛ والتفسير الأحسن هو الألفاظ الدالة على ذلك الحق ، فهو تفسيره وبيانه ، والتفسير أصله من البيان والظهور ، ويلاقيه في الاشتقاق الأكبر الإسفار ومنه « أسفر الفجر » إذا أضاء ووضح . ومنه السفر لبروز المسافر من البيوت ، ومنه السفر الذي يتضمن إظهار ما فيه من العلم . فلا بد أن يكون التفسير مطابقا للمفسر مفهما له .
ولا تجد كلاما أحسن تفسيرا ولا أتم بيانا من كلام اللّه سبحانه . ولهذا سماه اللّه بيانا وأخبر أنه يسره للذكر ويسر ألفاظه للحفظ ؛ ومعانيه للفهم ، وأوامره ونواهيه للامتثال .
ومعلوم أنه لو كان بألفاظ لا يفهمها المخاطب لم يكن ميسرا له بل كان معسرا عليه ، وإذا أريد من المخاطب أن يفهم من ألفاظه ما لا يدل عليه من المعاني أو يدل على خلافه فهذا من أشد التعسير ، فإنه لا شيء أعسر على الأمة من أن يراد منهم أن يفهموا كونه سبحانه لا داخلا في العالم ولا خارجه ، ولا متصلا به ، ولا منفصلا عنه ولا مباينا له ، ولا محايثا له ، ولا يرى بالأبصار عيانا ، ولا له يد ؛ ولا وجه من قوله :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
ومن قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « لا تفضلوني على يونس بن متى » ومن قوله :
الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ
( سورة غافر : 7 ) وأن يجهدوا أنفسهم ويكابدوا أعظم المشقة في تطلب أنواع الاستعارات وضروب المجازات ووحشى اللغات ، ليحملوا عليها آيات الصفات وأخبارها ؛ ويقول يا عبادي اعلموا أني أردت منكم أن تعلموا أني لست فوق العالم ، ولا تحته ، ولا فوق العرش ؛ ولا ترفع الأيدي إلي ، ولا يعرج إلي شيء ولا ينزل من عندي شيء من قولي :
الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( طه : 5 ) ، ومن قولي :
يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ
( النحل : 50 ) ومن قولي :
تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ
( المعارج : 4 ) ومن قولي :
بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ
( النساء : 158 ) ومن قولي :
رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ
( غافر : 15 ) ومن قولي :
وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ
( الشورى : 4 ) وأن تفهموا أنه ليس لي يدان من قولي :
لِما خَلَقْتُ