تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 737

مساهمون:

ص٧٣٧
برهان ذلك أن حاكما لو تحاكم إليه اثنان ولا بينة للمدعي فلم يحكم للمدعى عليه باليمين ، أو شهد عنده عدلان فلم يحكم بشهادتهما فإن ذلك الحاكم فاسق عاص للّه تعالى ظالم ، سواء كان المدعى عليه مبطلا في إنكاره أو محقا أو كان الشهود كذبة أو واهمين أو صادقين إذا لم يعلم باطن أمرهم ، ونحن مأمورون يقينا بأمر اللّه تعالى لنا أن نقتل هذا البريء المشهود عليه بالباطل ، وأن نبيح هذا الفرج الحرام المشهود فيه بالكذب ، وأن نبيح هذه البشرة المحرمة وهذا المال الحرام المشهود فيه بالباطل ، وحرم على المبطل أن يأخذ شيئا من ذلك ، وقضى تعالى بأننا إن لم نحكم بذلك فساق عصاة له ، ظلمة متوعدون بالنار على ذلك ، وما أمرنا أن نحكم في الدين بخبر وضعفه فاسق أو وهم فيه واهم فهذا فرق في غاية البيان . ( وفرق ثالث ) وهو أن اللّه تعالى فرض علينا أن نقول في جميع الشريعة قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم كذا ، وأمرنا اللّه تعالى بكذا ، لأنه تعالى يقول :
أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ
وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا
( النساء : 59 ، الحشر : 7 ) ففرض علينا أن نقول : نهانا اللّه ورسوله عن كذا وكذا ، وأمرنا بكذا ، ولم يأمرنا قط أن نقول : شهد هذا الشاهد بحق ولا حلف هذا الحالف على حق ، ولا أن هذا الذي قضينا به لهذا حق يقينا ، ولكن اللّه قال : احكموا بشهادة العدل ، ويمين المدعى عليه إذا لم تقم عليه بينة ، وهذا فرق لا خفاء به ، فلم نحكم بالظن في شيء من ذلك أصلا وللّه الحمد بل بعلم قاطع فإذا قالوا إنما قال اللّه تعالى :
إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ
( الحجرات : 12 ) ولم يقل كل الظن إثم ( قلنا ) قد بين اللّه تعالى لنا الإثم من البر ، وبين أن القول عليه بما لا يعلم حرام ، فهذا من الظن الذي هو إثم بلا شك . قال ابن حزم : فلجأت المعتزلة إلى الامتناع من الحكم بخبر الواحد للدلائل التي ذكرناها ، وظنوا أنهم يتخلصوا بذلك ، ولم يتخلصوا ، بل كل ما لزم غيرهم مما ذكرنا فهو لازم لهم ، وذلك إنا نقول : أخبرونا عن الأخبار التي رواها ، الآحاد ، أهي كلها حق إذا جاءت من رواية الثقات خاصة أم كلها باطل . أم فيها حق وباطل ؟ فإن قالوا فيها حق وباطل ، وذلك قولهم .
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 737 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي