أفيكون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه هم الذين قتلوا حمزة والشهداء معه ، لأنهم أتوا بهم حتى أوقعوهم تحت سيوف المشركين ؟
ومن هذا قول عروة بن الزبير لما روى حديث عائشة « فرضت الصلاة ركعتين ركعتين ، فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر » « 1 » فقيل له : فما بال عائشة أتمت في السفر ؟ قال : تأولت كما تأول عثمان ، وليس مراده أن عائشة وعثمان تأولا آية القصر على خلاف ظاهرها . وإنما مراده أنهما تأولا دليلا قام عندهما اقتضى جواز الإتمام فعملا به ، فكان عملهما به هو تأويله ؛ فإن العمل بدليل الأمر هو تأويله كما كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يتأول قوله تعالى :
فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ
( النصر : 3 ) بامتثاله بقوله « سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي » « 2 » فكأن عائشة وعثمان تأولا قوله تعالى :
فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ
( النساء : 103 ) فإن إتمامها من إقامتها . وقيل :
تأولت عائشة أنها أم المؤمنين وأن أمهم حيث كانت فكأنها مقيمة بينهم ، وإن عثمان كان إمام المسلمين فحيث كان فهو منزله ، أو أنه كان قد عزم على الاستيطان بمنى ، أو أنه كان قد تأهل بها ؛ ومن تأهل ببلد لم يثبت له حكم المسافر ، أو أن الأعراب كانوا قد كثروا في ذلك الموسم فأحب أن يعلمهم فرض الصلاة وأنها أربع ، أو غير ذلك من التأويلات التي ظناها أدلة مقيدة لمطلق القصر ، أو مخصصة لعمومه ؛ وإن كانت كلها ضعيفة . والصواب هدي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فإنه كان إمام المسلمين ؛ وعائشة أم المؤمنين في حياته ومماته وقد قصرت معه ؛ ولم يكن عثمان ليقيم بمكة وقد بلغه أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إنما رخص في الإقامة بها للمهاجرين بعد قضاء نسكهم ثلاثا ، والمسافر إذا تزوج في طريقه لم يثبت به حكم الإقامة بمجرد التزوج ما لم يزمع الإقامة .
وبالجملة فالتأويل الذي يوافق ما دلت عليه النصوص وجاءت به السنة هو التأويل الصحيح وغيره هو الفاسد .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ( 3935 ) ، ومسلم ( صلاة المسافرين / 685 ) وغيرهما .
( 2 ) تقدم تخريجه قريبا .