تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 404

مساهمون:

ص٤٠٤
( آل عمران : 54 ) فإن إطلاق المكر على المعنى المتصور من الرب سبحانه يتوقف على استعماله في المعنى المتصور من الخلق . فهو حينئذ مجازيا بالنسبة إليه ، حقيقة بالنسبة إليهم ، وهذا أيضا من النمط الأول في الفساد . أما ( أولا ) فإن دعواكم أن إطلاقه على أحد مدلوليه متوقف على استعماله في الآخر دعوى باطلة مخالفة لصريح الاستعمال . ومنشأ الغلط فيها أنكم نظرتم إلى قوله تعالى :
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ
، وقوله :
وَمَكَرُوا مَكْراً وَمَكَرْنا مَكْراً
( النمل : 50 ) وذهلتم عن قوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
( الأعراف : 99 ) فأين المسمى الآخر . وكذلك قوله تعالى :
وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحالِ
( الرعد : 13 ) فسر بالكيد والمكر . وكذلك قوله :
سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ
( الأعراف : 182 ، 183 ) . ( فإن قلتم ) يتعين تقدير المسمى الآخر ليكون إطلاق المكر عليه سبحانه من باب المقابلة ، كقوله تعالى :
إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً وَأَكِيدُ كَيْداً
( الطارق : 15 ، 16 ) ، وقوله :
إِنَّ الْمُنافِقِينَ يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
( النساء : 142 ) ، وقوله :
نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ
( التوبة : 67 ) فهذا كله إنما يحسن على وجه المقابلة ، ولا يحسن أن يضاف إلى اللّه تعالى ابتداء فيقال إنه يمكر ويكيد . ويخادع وينسى ولو كان حقيقة لصلح إطلاقه مفردا عن مقابلة ، كما يصح أن يقال : يسمع ويرى . ويعلم ويقدر . ( فالجواب ) أن هذا الّذي ذكرتموه مبني على أمرين : أحدهما معنوي والآخر لفظي . فأما المعنوي فهو أن مسمى هذه الألفاظ ومعانيها مذمومة فلا يجوز اتصاف الرب تعالى بها . وأما اللفظي فإنها لا تطلق عليه إلا على سبيل المقابلة فتكون مجازا ، ونحن نتكلم معكم في الأمرين جميعا . فأما الأمر المعنوي فيقال لا ريب أن هذه المعاني يذم بها كثيرا ، فيقال فلان صاحب مكر وخداع وكيد واستهزاء ، ولا تكاد تطلق علي سبيل المدح بخلاف أضدادها ، وهذا هو الذي غر من جعلها مجازا في حق من يتعالى ويتقدس عن كل عيب وذم ، والصواب