تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
نفسك ما لا يعلمه غيره . وكان ذلك موجبا لمقته لك ولم يكن يجرى عليك ما تستحقه بمجرد علمه السابق قبل ، من غير أن تظهر الملائكة ما يحمده به ويثنى عليه ويعذر به إذا طردك عن قربه ، وأخرجك من جنته ، فأمرك بأمره ، فخرج منك الداء الدفين بمقابلته بالمعصية ومنازعته سبحانه رداء الكبرياء ؛ فاستخرج أمره منك الكفر الخفي والداء الدوى ، وقام عذره في نفوس أوليائه وملائكته بما أصابك من لعنته وجرى عليك من نكاله وعقوبته . وصرت في ذلك إماما لمن كان حاله حالك ، فهذا من بعض حكمه في أمره لمن علم أنه لا يطيعه فإنه لو عذبه وطرده بما يعلمه منه من غير أن يظهره غيره لوجد هو وغيره للقول سبيلا ؛ لو أمرتني لأطعتك ولكن عذبتني قبل أن تجربنى ولو جربتنى لوجدتنى سامعا مطيعا بل من تمام حكمته ورحمته أنه لا يعذبه بمعصيته حتى يدعوه إلى الرجوع إليه مرة بعد مرة ، حتى إذا استحكم إباؤه ومعصيته ولم يبق للقول فيه مطمع ولا للموعظة فيه تأثير وأيس من حق عليه القول وظهر عذر من عذبه للخليقة ، وحمده وكماله المقدس . قال مختصره محمد ابن الموصلي عفا اللّه عنه . وهذا الوجه أحسن من الوجه الأول وأصوب . واللّه تعالى أعلم . الوجه الحادي والعشرون : قوله : وإذ أبيت السجود له فلم طردتني وذنبي أني لم أر السجود لغيره ، فيقال لعدو اللّه : هذا تلبيس إنما يروج على أشباه الأنعام من أتباعك حيث أوهمتهم أنك تركت السجود لآدم تعظيما للّه وتوحيدا له وصيانة لعزته أن تسجد لغيره ، فجازاك على هذا الإجلال والتعظيم بغاية الإهانة والطرد ، وهذا أمر لم يخطر ببالك ولم تعتذر به إلى ربك وإنما كان الحامل لك على ترك السجود الكبر والكفر والنخوة الإبليسية ، ولو كان في نفسك التعظيم والإجلال للّه وحفظ جانب التوحيد لحملك على المبادرة إلى طاعته . وهل التعظيم والإجلال إلا في امتثال أمره ؟ ولقد قام لك من إخوانك أصحاب يحامون عنك ويخاصمون ربهم فيك ، وينحون عليك اعتذارا عنك وتظليما من ربك كما فعل صاحب « تفليس إبليس » في كتابه فإنه يقول فيه ما ترعد منه قلوب أهل
مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 370 | ابن قيم الجوزية / محمد بن الموصلي