تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 325

مساهمون:

ص٣٢٥
وتأمل أحوال محال ذلك ، واستدل بما علمه على ما لم يعلمه وتيقن أن مصدر ما علم وما لم يعلمه لحكمة بالغة لا توزن بعقول المخلوقين ، فقد وفق للصواب . ولما استشكل المشركون هذا التخصيص قالوا ( أهؤلاء من اللّه عليهم من بيننا ) فقال لهم اللّه مجيبا لهم :
أَ لَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ
( الأنعام : 53 ) وهذا جواب شاف كاف ؛ وفي ضمنه أنه سبحانه أعلم بالمحل الذي يصلح لغرس شجرة النعمة فتثمر بالشكر من المحل الّذي لا يصلح لغرسها ، فلو غرست فيه لم تثمر ، فكان غرسها هناك ضائعا لا يليق بالحكمة كما قال تعالى :
اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسالَتَهُ
( الأنعام : 124 ) . * * *

فصل

فلنرجع إلى تمام المقصود فنقول : اختلف الناس في العقوبة على الأمور العدمية فمنكرو الحكم والتعليل لا ضابط للعقوبة عندهم إلا محض المشيئة . وأما مثبتوا الحكم والتعليل فالأكثرون منهم يقولون لا يعاقب على عدم المأمور لأنه عدم محض ، وإنما يعاقب على تركه ، والترك أمر وجودي ، وطائفة منهم أبو هاشم وغيره يقولون يعاقب على الأمور الوجودية ، فيكون عقابه بالآلام . وهذا القول الذي ذكرناه قول وسط بين القولين ، وهو أن العقوبة نوعان : فيعاقب على هذا العدم بفعل السيئات لا بالعقوبة المؤلمة ، ثم يعاقب على فعل السيئات بالآلام ، ولا يعاقب عليها حتى تقوم الحجة عليه بالرسالة ، فإذا عصى الرسول استحق العقوبة التامة ، وهو أولا إنما عوقب بما يمكن أن ينجو من شره بعد قيام الحجة عليه ، أو التوبة بعد قيام الحجة عليه فإذا لم تقم عليه الحجة كان الصبى الذي يشتغل بما لا ينفعه ، بل بما هو من أسباب ضرره ، ولا يكتب عليه قلم الإثم حتى يبلغ ، فإذا بلغ عوقب ، ثم يكون ما اعتاده من فعل القبائح قبل البلوغ وإن لم يعاقب عليها سبب لمعصيته بعد البلوغ ، فتكون تلك المعاصي الحادثة منه قبل البلوغ ، فلم يعاقب العقوبة المؤلمة على معصية . وأما العقوبة الأولى فلا يلزم أن