تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
وقالت طائفة أخرى ، بل هي طريق في نفسها متناقضة مستلزمة لتكذيب الرسول لا يتم سلوكها إلا بنفي ما أثبته ؛ وهي مستلزمة لنفي الصانع بالكلية ، كما هي مستلزمة لنفي صفاته ونفي أفعاله ، وهي مستلزمة لنفي المبدأ والمعاد ، فإن هذه الطريق لا تتم إلا بنفي سمع الرب وبصره وقدرته وحياته وإرادته وكلامه فضلا عن نفي علوه على خلقه ، ونفي الصفات الخبرية من أولها إلى آخرها ، ولا تتم إلا بنفي أفعاله جملة وأنه لا يفعل شيئا البتة ، إذ لم يقم به فعل فاعل ، وفاعل بلا فعل محال في بداءة العقول . فلو صحت هذه الطريق نفت الصانع وأفعاله وصفاته وكلامه وخلقه للعالم وتدبيره له . وما يثبته أصحاب هذه الطريق من ذلك لا حقيقة له ، بل هو لفظ لا معنى له . فأنتم تثبتون ذلك وتصرحون بنفي لوازمه البينة التي لا عيب فيها وفي لزومها وتثبتون ما لا حقيقة له ، بل يخالف العقول كما تنفون ما يدل العقل الصريح على إثباته ولوازمه الباطلة أكثر من مائة لازم ، بل لا يحصى بكلفه . فأول لوازم هذه الطريقة نفي الصفات والأفعال ، ونفي العلو والكلام ، ونفي الرؤية ومن لوازمها القول بخلق القرآن . وبهذا الطريق استجازوا ضرب الإمام أحمد لما قال بما يخالفها من إثبات الصفات وتكلم اللّه بالقرآن ورؤيته في الدار الآخرة ، وكان أرباب هذه الطريق هم المستولين على الخليفة فقالوا له : اضرب عنقه ، فإنه كافر مشبه مجسم ، فقيل له إنك إن قتلته ثارت عليك العامة . فأمسك عن قتله بعد الضرب الشديد . ومن لوازمه أن الرب كان معطلا عن الفعل من الأزل والفعل ممتنع عليه ثم انقلب من الامتناع [ الذاتي ] إلى الإمكان الذاتي بدون موجب في ذلك الوقت دون ما قبله ، وهذا مما أغرى الفلاسفة بالقول بقدم العالم ورأوا أنه خير من القول بذلك ، بل حقيقة هذا القول : إن الفعل لم يزل ممتنعا منه أزلا وابدا ، إذ يستحيل قيامه به ، وعن هذه الطريق قال جهم ومن وافقه : بفناء الجنة وفناء أهلها وعدمهم عدما محضا ، وعنها قال أبو الهذيل العلاف : بفناء حركاتهم دون ذواتهم ، فإذا رفع اللقمة إلى فيه وفنيت الحركات بقيت يده ممدودة لا تتحرك