تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مختصر الصواعق المرسلة على الجهمية المعطلة ( استعجال الصواعق ) — صفحة 184

مساهمون:

ص١٨٤
فهؤلاء كلهم قد خالفوا صريح المعقول ، وسلبوا الكمال عمن هو أحق بالكمال من كل ما سواه ، ولم يكفهم ذلك حتى جعلوا الكمال نقصا . فتأمل نسبتهم الباطلة التي عارضوا بها الوحي هل تصادم هذا الدليل الدال على إثبات الصفات والأفعال للرب سبحانه ثم اختر لنفسك بعد ما شئت . وهذا قطرة من بحر نبهنا عليه تنبيها يعلم به اللبيب ما وراءه ، وإلا فلو أعطينا هذا الموضع حقه ، وهيهات أن نصل إلى ذلك ، لكتبنا عدة أسفار ، وكذا كل وجه من هذه الوجوه فإنه لو بسط وفصل لاحتمل سفرا وأكثر . واللّه المستعان وبه التوفيق . الخامس والعشرون : أن غاية ما ينتهي إليه من ادعي معارضة العقل للوحي أحد أمور أربعة لا بد له منها : إما تكذيبها وجحدها ، وإما اعتقاد أن الرسل خاطبوا الخلق خطابا جمهوريا لا حقيقة له ، وإنما أرادوا منهم التخييل وضرب الأمثال ، وإما اعتقاد أن المراد تأويلها وصرفها عن حقائقها بالمجازات والاستعارات ، وإما الإعراض عنها وعن فهمها وتدبرها ، واعتقاد أنه لا يعلم ما أريد بها إلا اللّه . فهذه أربع مقامات ، وقد ذهب إلى كل مقام منها طوائف من بني آدم . المقام الأول : مقام التكذيب ، وهؤلاء استراحوا من كلفة النصوص والوقوع في التشبيه والتجسيم : وخلعوا ربقة الإسلام من أعناقهم . المقام الثاني : مقام أهل التخييل . قالوا : إن الرسل لم يمكنهم مخاطبة الخلق بالحق في نفس الأمر ، فخاطبوهم بما يخيل إليهم ، وضربوا لهم الأمثال ، وعبروا عن المعاني المعقولة بالأمور القريبة من الحس ، وسلكوا ذلك في باب الإخبار عن اللّه وأسمائه وصفاته واليوم الآخر ، وأقروا باب الطلب على حقيقته . ومنهم من سلك هذا المسلك في الطلب أيضا وجعل الأمر والنهي إشارات وأمثالا . فهم ثلاث فرق ، هذه إحداها ، والثانية سلكت ذلك في الخبر دون الأمر ، والثالثة سلكت ذلك في الخبر عن اللّه وعن صفاته دون المعاد والجنة . وذلك كله إلحاد في أسماء الرب وصفاته ودينه واليوم الآخر . والملحد لا يتمكن من الرد على الملحد وقد وافقه في الأصل وإن خالفه في فروعه . ولهذا