أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ
أي ما نقصنا الآباء بهذا الاتباع شيئا من عملهم ، بل رفعنا الذرية إليهم قرة لعيونهم وإن لم يكن لهم أعمال يستحقون بها تلك الدرجة .
منها قوله :
كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ
فلا يتوهم متوهم أن هذا الاتباع حاصل في أهل الجنة وأهل النار ، بل هو للمؤمنين دون الكفار ، فإن اللّه سبحانه لا يعذب أحدا إلا بكسبه وقد يثيبه من غير كسبه .
ومنها قوله :
يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفاً
( الأحزاب : 32 ) فلما أمرهن بالتقوى التي شأنها التواضع ولين الكلام نهاهن عن الخضوع بالقول لئلا يطمع فيهن ذو القلوب المرضى ثم أمرهن بعد ذلك بالقول المعروف دفعا لتوهم الإذن في الكلام المنكر . لما نهين عن الخضوع بالقول .
ومنه قوله تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ
( البقرة : 187 ) فرفع توهم فهم الخيطين من الخيوط بقوله
مِنَ الْفَجْرِ
.
ومن ذلك قوله تعالى :
لِمَنْ شاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ
( التكوير : 28 ) فلما أثبت لهم مشيئة فلعل متوهما يتوهم استقلالهم بها فأزال سبحانه ذلك بقوله
وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
ونظير ذلك قوله تعالى :
كَلَّا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شاءَ ذَكَرَهُ وَما يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ هُوَ أَهْلُ التَّقْوى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ
( المدثر : 54 - 65 ) .
ومن ذلك قوله تعالى :
وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ
( التوبة : 111 ) فلعل متوهما أن يتوهما أن اللّه يجوز عليه ترك الوفاء بما وعد به فأزال ذلك بقوله :
وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ
( التوبة : 111 ) .
ومن ذلك قوله تعالى :
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
( الأنعام : 158 ) فلما ذكر إتيانه سبحانه ربما توهم أن المراد إتيان بعض آياته أزال هذا الوهم ودفعه بقوله :
أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ
فصار الكلام مع هذا التقسيم والتنويع نصا صريحا في معناه لا يحتمل غيره .