قال الرضا عليه السلام إياك وقول الجهال أهل العمى والضلال الذي يزعمون أن الله
عز وجل وتقدس موجود في الآخرة للحساب والثواب والعقاب ، وليس بموجود في
الدنيا للطاعة والرجاء ولو كان في الوجود لله عز وجل نقص واهتضام لم يوجد في
الآخرة أبدا ، ولكن القوم تاهوا وعموا وصموا عن الحق من حيث لا يعلمون ، وذلك
قوله عز وجل " ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا " يعنى أعمى
عن الحقائق الموجودة .
وقد علم ذوو الألباب أن الاستدلال على ما هناك لا يكون إلا بما ههنا ، ومن
أخذ علم ذلك برأيه وطلب وجوده وإدراكه عن نفسه دون غيرها لم يزدد من علم ذلك
إلا بعدا ، لان الله عز وجل جعل علم ذلك خاصة عند قوم يعقلون ويعلمون ويفهمون
قال عمران : يا سيدي ألا تخبرني عن الابداع خلق هو أم غير خلق ؟
قال الرضا عليه السلام : بل خلق ساكن لا يدرك بالسكون ، وإنما صار خلقا لأنه
شئ محدث ، والله الذي أحدثه فصار خلقا له ، وإنما هو الله عز وجل وخلقه لا ثالث
بينهما ولا ثالث غيرهما ، فما خلق الله عز وجل لم يعد أن يكون خلقه وقد يكون
الخلق ساكنا ومتحركا ، ومختلفا ومؤتلفا ومعلوما ومتشابها وكل ما وقع عليه حد
فهو خلق الله عز وجل .
واعلم أن كلما أو جدتك الحواس فهو معنى مدرك للحواس ، وكل حاسة
تدل على ما جعل الله عز وجل لها في إدراكها ، والفهم من القلب بجميع ذلك كله
واعلم أن الواحد الذي هو قائم بغير تقدير ولا تحديد ، خلق خلقا مقدرا بتحديد
وتقدير وكان الذي خلق خلقين اثنين التقدير والمقدر ، فليس في كل واحد منهما
لون ولا ذوق ولا وزن ، فجعل أحدهما يدرك بالآخر وجعلهما مدركين بأنفسهما ،
ولم يخلق شيئا فردا قائما بنفسه دون غيره للذي أراد من الدلالة على نفسه وإثبات
وجوده .
والله تبارك وتعالى فرد واحد لا ثاني معه يقيمه ولا يعضده ولا يمسكه ، والخلق
يمسك بعضه بعضا بإذن الله ومشيته ، وإنما اختلف الناس في هذا الباب حتى تاهوا
مسند الإمام الرضا ( ع ) — صفحة 90
مساهمون: الشيخ عزيز الله عطاردي
ص٩٠