تخفيف بعضهم دون بعض وتثقيل بعضهم دون بعض لأنّ العدل يقتضي أن ينتصف للمظلومين من الظالمين ولا سبيل إليه إلَّا بأن يخفّف من عذاب المظلومين ويثقل في عذاب الظالمين .
قوله تعالى : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 55 إلى 56 ] أَلا إِنَّ لِلَّه ِ ما فِي السَّماواتِ وَالأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّه ِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 55 ) هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْه ِ تُرْجَعُونَ ( 56 )
تعلَّق الآية بما قبلها هو أنّه قال قبل هذه الآية : « وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ ما فِي الأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِه ِ » فلا جرم بيّن في هذه الآية أنّه ليس للظالم شيء يفتدي به فإنّ كلّ الأشياء ملك اللَّه تعالى وملكه .
وهاهنا دقيقة أخرى وهي كلمة « ألا » وهذه الكلمة إنّما تذكر عند تنبيه الغافلين وإيقاظ النائمين وأهل هذا العالم غالبا مشغولون بالنظر إلى الأسباب الظاهرة فيقولون :
البستان للأمير ، والدار للوزير ، والغلام لزيد ، والجارية لعمرو فيضيفون كلّ شيء إلى مالك آخر والخلق لكونهم في رقدة الغفلة يظنّون صحّة تلك الإضافات فاللَّه سبحانه ينبّه الغافلين بقوله : * ( [ أَلا إِنَّ لِلَّه ِ ] ) * وذلك لأنّه لمّا ثبت بالعقل أنّ ما سوى الواحد الأحد ممكن لذاته والممكن مستند إلى الواجب لذاته فما سواه ملكه أجدّه فما سواه له وليس لغيره في الحقيقة .
ثمّ نبّه ثانيا بقوله تعالى أنّ المالك الغنيّ عن كلّ شيء جميع ما وعد به من العذاب والحشر والنشر حقّ وواقع لا محالة .
* ( [ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ ] ) * لغفلتهم ولاقتصار فهمهم على المحسوسات المعتادة * ( [ لا يَعْلَمُونَ ] ) * .
فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون * ( [ هُوَ يُحيِي وَيُمِيتُ ] ) * من غير دخل لأحد في ذلك * ( [ وَإِلَيْه ِ ] ) * .
لا إلى غيره في الآخرة * ( [ تُرْجَعُونَ ] ) * بالبعث والحشر .
قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : الآيات 57 إلى 58 ] يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفاءٌ لِما فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ( 57 ) قُلْ بِفَضْلِ اللَّه ِ وَبِرَحْمَتِه ِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ ( 58 )
المعنى : * ( [ يا أَيُّهَا النَّاسُ ] ) * خطاب لجميع الخلق والمكلَّفين * ( [ قَدْ جاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ ] ) * .
يعني القرآن . والموعظة بيان ما يجب أن يحذر عنه ويرغب فيه ويدعو إلى الصلاح ويزجر