اللَّفظ على الأوثان على حسب ما يجري على من يعقل ويعلم ، فكذا هاهنا وصفهم اللَّه بصفة من يعلم وإن لم يكن الأمر كذلك .
الثالث أنّا نحمل على التقدير والفرض ، يعني أنّها لو كان بحيث يمكنها أن يهدي فإنّها لا يهدي غيرها إلَّا بعد أن يهديها غيرها ، وإذا حملنا الكلام على التقدير فزال السؤال بالكلَّيّة .
الرابع أنّ الهدي عبارة عن النقل والحركة يقال : هديت المرأة إلى زوجها هداية إذا نقلت إليه ، وسمّيت الهديّة هديّة لانتقالها من رجل إلى غيره ، والهدي ما يهدي إلى الحرم من النعم فحينئذ قوله : « أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى » يحتمل أن يكون معناه أنّ هذه الأصنام لا ينتقل إلى مكان إلَّا إذا نقل إليه وهي جمادات خالية عن القدرة والحياة ، فكيف يهدي غيره ؟
ثمّ لمّا قرّر سبحانه هذه الحجج الباهرة على الكفّار قال سبحانه * ( [ فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ ] ) * هذا تعجّب من حالهم كيف يقضون بالوهيّة هذه الأصنام ويعتقدون أنّها تستحقّ العبادة .
قوله : [ سورة يونس ( 10 ) : آية 36 ] وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّه َ عَلِيمٌ بِما يَفْعَلُونَ ( 36 )
ثمّ قال : * ( [ وَما يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ ] ) * الكفّار * ( [ إِلَّا ظَنًّا ] ) * وفيه وجهان : الأوّل : وما يتّبع أكثرهم في إقرارهم باللَّه إلَّا ظنّا من غير تعقّل وبرهان بل سمعوه من أسلافهم . الثاني قوله : وما يتّبع أكثرهم في قولهم وعقيدتهم أنّ الأصنام آلهة وأنّها شفعاء عند اللَّه إلَّا الظنّ .
والقول الأوّل أقوى لأنّا على القول الثاني نحتاج إلى أن نفسّر الأكثر بالكلّ .
ثمّ قال : * ( [ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً ] ) * .
وتمسّك نفاة القياس بهذه الآية فقالوا : العمل بالقياس عمل بالظنّ فوجب أن لا يجوز .
وأجاب مثبتو القياس فقالوا : الدليل الَّذي دلّ على وجوب العمل بالقياس دليل قاطع فكان وجوب العمل بالقياس معلوما ، فلم يكن العمل بالقياس مظنونا بل كان معلوما .
وأجابوا بأن لو كان الحكم المستفاد من القياس يعلم كونه حكما للَّه لكان ترك العمل