وإنّما قال سبحانه : « مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ » لأنّه إذا ظهر الخيط الأبيض فذلك الخيط الأبيض معه بقيّة من ظلمة الليل ، ويكون طرفه الملاصق له كأنّه خيط أسود في جنب خيط أبيض ونور الصبح ينشقّ في خلال ظلمة الليل ، فشبّها بخيطين أبيض وأسود * ( [ مِنَ الْفَجْرِ ] ) * للتبيّن لأنّه بيّن الخيط الأبيض الَّذي هو الفجر .
وروي أنّ عديّ بن حاتم قال للنبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله : إنّي وضعت خيطين من شعر أبيض وأسود ، فكنت أنظر فيهما فلا يتبيّن لي فضحك رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله حتّى بدت نواجذه ( بالذال المعجمة وهي أقصى الأضراس الأربعة ) ثمّ قال : يا ابن حاتم إنّما ذلك بياض النهار وسواد الليل فابتدء الصوم من هذا الوقت .
* ( [ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ ] ) * أي أديموا الإمساك في جميع أجزاء النهار * ( [ إِلَى اللَّيْلِ ] ) * أي ينتهي النهار إلى وقت دخول الليل وعلامة دخوله سقوط الحمرة من جانب المشرق وإقبال السواد منه .
* ( [ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ ] ) * قيل : أراد من المباشرة الجماع . وقيل :
أراد الجماع وكلّ ما دونه من قبلة وغيرها وهو مذهبنا الإماميّة أي والحال أنتم معتكفون في المساجد ، قال الطبرسيّ : والاعتكاف لا يصحّ عندنا إلَّا في أحد المساجد الأربعة : المسجد الحرام ومسجد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وآله ومسجد الكوفة ومسجد البصرة ، وعند غيرنا يجوز في سائر المساجد إلَّا أنّ مالكا قال : إنّه يختصّ بالجامع قال الطبرسيّ : ولا يصحّ الاعتكاف عندنا إلَّا بصوم وأيضا عندنا لا يكون إلَّا في ثلاثة أيّام .
* ( [ تِلْكَ حُدُودُ اللَّه ِ ] ) * إشارة إلى الأحكام المذكورة في الآية * ( [ فَلا تَقْرَبُوها ] ) * أي فلا تأتوها وهو أبلغ من قوله : فلا تعتدوها لأنّه نهي عن قربها فضلا عن تجاوزها * ( [ كَذلِكَ ] ) * أي بيانا مثل هذا البيان الوافي * ( [ يُبَيِّنُ اللَّه ُ آياتِه ِ لِلنَّاسِ ] ) * ونصوص أحكامه * ( [ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ] ) * لكي يحترزوا المعاصي . وفي الآية دلالة على أنّ اللَّه تعالى أراد التقوى عن جميع الناس .
وفي الدعاء : أعوذ بك من الذنوب الَّتي تهتك العصم ، قال الصادق صلَّى اللَّه عليه وآله : هي شرب الخمر واللعب بالقمار وفعل ما يضحك الناس من اللهو والمزاح وذكر عيوب الناس ومجالسة أهل الريب .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 28
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص٢٨