لم يجب فكأنّه لم يسمع ، فإن قيل : إنّ زكريّا كان عالما بقدرة اللَّه قبل رؤية حال مريم فهلَّا سأل قبل ذلك ؟ فالجواب أنّه قد يزداد الإنسان رغبة في الشيء إذا عاينه وإن كان عالما به قبله .
* ( فَنادَتْه ُ الْمَلائِكَةُ ) * أي جبرئيل وحكم الواحد من الجنس قد ينسب إلى الجنس نحو :
فلان يركب الخيل ، وإنّما يركب واحدا من أفرادها ولمّا كان جبرئيل من المقرّبين عبّر عنه باسم الجماعة تعظيما له * ( وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ ) * أي والحال أنّ زكريّا قائم في المسجد أو في غرفة مريم يصلَّي ان اللَّه أي بأنّ اللَّه * ( يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى ) * بولد اسمه يحيى لأنّه تحيى به المجالس من وعظه والقلوب بهدايته .
* ( مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّه ِ ) * حال كونه أوّل من يؤمن بعيسى وصدّق بأنّه كلمة اللَّه وروحه ، وإنّما سمّي « كلمة اللَّه » لأنّه وجد بكلمة « كن » من غير أب فشابه البديعيّات الَّتي هي عالم الأمر وسمّي « روحا » لأنّ عيسى أحيى به من الضلالة كما يحيى الإنسان بالروح ، قال السدّيّ : لقيت امّ يحيى امّ عيسى فقالت : يا مريم أشعرت بحبلي ؟ فقالت :
وأنا أيضا حبلى ، قالت : فإنّي وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك فذلك قوله تعالى :
« مصدّقا » وقتل يحيى قبل أن رفع عيسى إلى السماء .
* ( وَسَيِّداً وَحَصُوراً ) * عطف على « مصدّقا » أي رئيسا يسود قومه ويفوقهم في الشرف ، كان فائقا للناس قاطبة ولم يلمّ بمعصية ولم يهمّ بخطيئة ، ومبالغا في حصر النفس وحبسها عن الشهوات مع القدرة و « الحصور » الممتنع من النساء مع القدرة عن ابن عبّاس وجماعة . وقيل :
وقد تزوّج مع ذلك ليكون أغضّ لبصره . وقيل : كان عنينا عن سعيد بن المسيّب والضحّاك ، لكن هذا الكلام ليس بصحيح لأنّه عيب ولا يجوز العيب على الأنبياء ولأنّ الكلام خرج مخرج المدح .
أي يوحى إليه إذا بلغ هو مبلغه وناشئا من الأنبياء لأنّه كان من أصلابهم و « الصلاح » صفة تنتظم الخير كلَّه .
تفسير مقتنيات الدرر — صفحة 193
مساهمون: مير سيد علي الحائري الطهراني
ص١٩٣