حدثنا [ 1 ] رئيس الرؤساء أبو القاسم علي بن المحسن عمّن حدّثه : أن أبا عمر الزاهد كان يؤدب ولد القاضي أبي عمر ، فأملى يوما على الغلام نحوا من ثلاثين مسألة في اللغة ، وذكر غريبها وختمها ببيتين من الشعر ، وحضر أبو بكر بن دريد ، وابن الأنباري ، وابن مقسم عند أبي عمر القاضي ، فعرض عليهم تلك المسائل ، فما عرفوا منها شيئا ، وأنكروا الشعر ، فقال لهم القاضي : ما تقولون فيها / فقال له ابن الأنباري : أنا مشغول بتصنيف « مشكل القرآن » ولست أقول شيئا . وقال ابن مقسم مثل ذلك لاشتغاله بالقراءات ، وقال ابن دريد : هذه المسائل من موضوعات أبي عمر ، ولا أصل لشيء منها في اللغة ! وانصرفوا ، وبلغ أبا عمر ذلك فاجتمع مع القاضي وسأله إحضار دواوين جماعة من قدماء الشعراء عيّنهم له ، ففتح القاضي خزانته وأخرج له تلك الدواوين فلم يزل أبو عمر يعمد إلى كل مسألة ويخرج لها شاهدا من بعض تلك الدواوين [ 2 ] ، ويعرضه [ 3 ] على القاضي حتى استوفى جميعها ، ثم قال : وهذان البيتان أنشدهما ثعلب بحضرة القاضي ، وكتبهما القاضي بخطه على ظهر كتاب القاضي ، فأحضر القاضي [ 4 ] الكتاب فوجد البيتين على ظهره بخطه كما ذكر أبو عمر ، وانتهت القصة إلى ابن دريد ، فلم يذكر أبا عمر بلفظة حتى مات .
أخبرنا عبد الرحمن ، أخبرنا أحمد بن علي ، أخبرنا عبد الصمد بن محمد الخطيب أنبأنا [ 5 ] الحسن بن الحسين الهمذاني قال : سمعت أبا الحسن بن المرزبان يقول : كان ابن ماسي ينفذ إلى أبي عمر كفايته ينفقها على نفسه ، فقطع عنه ذلك مدة لعذر ، ثم أنفذ إليه ما انقطع جملة ، وكتب إليه رقعة يعتذر من تأخير ذلك عنه ، فرده وأمر من بين يديه أن يكتب على ظهر رقعته : أكرمتنا فملكتنا ، ثم أعرضت عنا فأرحتنا . قال أحمد بن علي : لا شك أن ابن ماسي هو : إبراهيم بن أيوب والله أعلم [ 6 ] .
هامش
[ 1 ] في ص ، ل : « حكى » . وفي ت : « جاء » .
[ 2 ] « فلم يزل أبو عمر . . . . تلك الدواوين » سقط من ص .
[ 3 ] في الأصل : « وعرضه » .
[ 4 ] « القاضي » سقط من ص ، ت ، ل .
[ 5 ] في ص ، ت ، ل : « أخبرنا » .
[ 6 ] « والله أعلم » سقطت من ت ، ص ، ل .