بموضع كذا وكذا أخطأنا الماء ، فكنا لا نقدر عليه ، فانتهينا إلى موضع طلح وسمر ، فانطلق كل رجل منا إلى أصل شجرة ليموت في ظلها ، فبينا نحن في آخر رمق إذا راكب قد أقبل ، فلما رآه بعضنا تمثل بهذه الأبيات :
ولما رأت أن الشريعة همها
وأن البياض في فرائضها دامي
تيممت العين التي عند ضارج
يفيء عليها الظل عرمضها طامي
[ 1 ] فقال الراكب : من يقول هذا الشعر ؟ فقال بعضنا : امرؤ القيس ، فقال : هذه والله ضارج أمامكم ، وقد رأى ما بنا من الجهد ، فرجعنا إليها فإذا بيننا وبينها نحو من خمسين ذراعا ، وإذا هي كما وصف امرؤ القيس : عليها العرمض يفيء عليها الظل ، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم : « ذاك رجل مشهور في الدنيا خامل في الآخرة ، مذكور في الدنيا منسي في الآخرة ، يجيء يوم القيامة معه لواء الشعراء يقودهم إلى النار »
. وفيها بعث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق من خزاعة يصدقهم
وكانوا قد أسلموا وبنوا المساجد ، فلما سمعوا بدنوه خرج منهم عشرون يتلقونه بالجزر والغنم فرحا به ، فلما رآهم ولى راجعا إلى المدينة ، فأخبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنهم لقوة بالسلاح ، فهم أن يبعث من يغزوهم ، فقدموا لما بلغهم الخبر ، ونزلت : * ( إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا . . . 49 : 6 ) * [ 2 ] . وبعث معهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الحارث بن عباد بن بشر يأخذ صدقاتهم .
وروي عن ضرار الخزاعي ، قال : قدمت على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ، ودعاني إلى الزكاة فأقررت بها ، وقلت : يا رسول الله ، ارجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته ، فيرسل رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رسولا لا تأت كذا وكذا ليأتيك بما جمعت من الزكاة . فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له وبلغ الإبان الَّذي أراد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول
هامش
[ 1 ] ديوان امرئ القيس 161 - 162 ط . الدار .
[ 2 ] سورة : الحجرات ، الآية : 6 .