الايمان فأجاب عليه السّلام بأنّ الايمان على أربع دعائم ، وظاهره أنّ إقامة هذه الدعائم الأربعة شرط وجود الايمان ، ولا يمكن اقامته على ثلاثة منها أو اثنتين منها ، وقوّة الايمان وضعفه يقاس بقوّة هذه الدعائم وضعفها ، لا بتمامها ونقصانها .
فأوّل الدعائم الصبر ، وهو المقاومة تجاه المكاره وتحمّل المشاق لنيل المقاصد ويبدأ من الاشتياق نحو المقصد الأعلى ، والاشتياق يتضمّن فراق المحبوب ويستلزم تحمّل ألم وجدة ربما يصل إلى مقام العشق والوله ، فلا بدّ من الصّبر دون ذلك وأمّا الخوف والزهد والترقب الَّذى فسّره بانتظار الموت والتهيّأ له فالأم كلَّها .
وفسّر الصبر في الاشتياق بأنّ الشوق إلى الجنّة وهو المقصد المتعارف لأهل الايمان ملازم لمفارقة كلّ الشهوات المادّية والطبيعية ومزاولة الرياضات ، فيحتاج إلى صبر ثابت وأكيد فهو أشدّ ألما من الخوف والاشفاق الَّذي يلازم اجتناب المحرّمات فحسب ، لأنه ليس كلّ محرّم من الشهوات ، كما أنّ كلّ الشهوات ليست من المحرّمات .
فالصّبر هو ما يعبّر عنه في لسان أرباب الحكمة بالعفّة واعتبروها أحد الأركان الأربعة لاستكمال النّفس وهي : الحكمة ، والعفّة ، والشّجاعة ، والعدالة وفسّروا العدالة بأنها الامساك عن الشره في فنون الشهوات المحسوسة وعدم الانقياد للشهوة وقهرها وتصريفها بحسب الرأي الصحيح ومقتضى الحكمة المذكورة ، فالعفّة عند الحكماء صورة حاصلة للنفس الانسانية بتعديل القوّة الشهوية وتقييدها بما حكم به العقل الصحيح وقرّره الشرع الصريح ، ولكنّ الصبر على ما فسّره عليه السّلام بين شعبه أعمّ وأتمّ ممّا ذكره الحكماء في هذا المقام .
وأمّا اليقين الَّذى هو الحكمة المتعالية النظرية عند الفلاسفة ، فيحتاج إلى فطنة بصيرة ونظر ثاقب في العواقب يخرق حجاب المادّة وينفذ إلى ما وراء العالم المحسوس المحدود ، ووجدان تيقّظ يتأثر من الأمور ودراسة لأحوال الأمم السالفة الناجية منها والهالكة ، وهذه كلَّها دروس ألقيت في ضمن آيات القرآن الكريمة .
وقد رتّب عليه السّلام هذه الأمور وجعلها درجات متتالية يصعد السالك فيها من
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 50
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٥٠