عليه السّلام بطرد هذه الهموم بملازمة صبر ثابت ويقين صادق وبملازمة طريقة عادلة في أعماله وأخلاقه ونبّه على أنّ الصاحب الصديق كنسيب قريب ، وكان يقال : « الصديق نسيب الرّوح والأخ نسيب البدن » .
وقد بين عليه السّلام موازين لأمور هامّة : 1 - ميزان الصّداقة ، فقال : ( والصديق من صدق غيبه ) يعنى أنّ الصّداقة يعرف بحفظ الغيب للصديق ، فربّما شخص يظهر الصّداقة في الحضور ولم يكن إلَّا منافقا .
2 - ميزان الغربة ، فقال : ( الغريب من لم يكن له حبيب ) أي من لم يكن له مؤنس يطمئنّ إليه ويلمسه عن ظهر قلبه برابطة وديّة صادقة فهر غريب وإن كان في وطنه .
3 - ميزان العداوة ، فقال : ( ومن لم يبالك فهو عدوّك ) أي من لم يكترث بك ويراعيك فهو عدوّ .
وقد استغرب الشارح المعتزلي هذه الميزانيّة للعداوة فقال « ص 119 ج 16 ط مصر » : وهذه الوصاة خاصّة بالحسن عليه السّلام وأمثاله من الولاة وأرباب الرّعايا وليست عامّة للسوقة من أفناء الناس ، وذلك لأنّ الوالي إذا أنس من بعض رعيته أنّه لا يباليه ولا يكترث به ، فقد أبدى صفحته ، ومن أبدى لك صفحة فهو عدوّك وأما غير الوالي من أفناء الناس فليس أحدهم إذا لم يبال بالاخر بعدوّ له .
أقول : قد ذكرنا في بدء شرح هذه الوصيّة أنها موجّهة من نوع الوالد إلى نوع الولد من دون ملاحظة أيّة خصوصيّة في البين ، والمقصود من عدم المبالاة في كلامه عليه السّلام هو عدم رعاية الحقّ بعد المعرفة ووجود الرّابطة بين شخصين وكلّ من عرف غيره ولم يراع له حقّه يكون عدوّا له وظالما ، سواء من السوقة وأفناء الناس ، أو من الولاة والحكَّام ، والفرق أنّ المعرفة للوالي أعمّ ، وحقوقه على الرّعايا أتمّ وألزم .
وقد اختلف في تفسير قوله عليه السّلام : ( ليس كلّ عورة تظهر ) فقال الشارح المعتزلي « في ص 119 ج 16 ط مصر » : يقول : قد تكون عورة العدوّ مستترة
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 39
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٣٩