ثمّ إنّه عليه السّلام كانّما ينظر بنا ويحكى عن زماننا حيث أصبحنا والحقّ مهتضم والدين مخترم ، وكاد معالم الدين يؤذن بالمحو والطمس ، ولا يتكلَّم فيه إلَّا بالرمز والهمس . وأحاطت الظلمات بعضها فوق بعض وما يرى سبيل الخروج ، وكيف لا وأزمّة الأمور بأيدي ذوات الفروج ، وحماة الدّين بعضهم معتكف في قعر السجون وبعضهم يفيض منه ماء الشجون ، وأشباح الرّجال في زىّ الرّجال ، والنفوس الكرام في صف النّعال ، والنّاس عن الطريق القويم والصّراط المستقيم لناكبون وفى إعلاء راية العدل لناكسون كأنما على رؤوسهم الطير ، وفى إحياء كلمة الحقّ لناكثون كأنّما جبلوا على إماتة الخير ، ولعمرى لولا انّهم قلقوا الوضين لما جعل كتاب اللَّه عضين ، ولو كانوا يقاتلون في سبيل اللَّه صفا كانّهم بنيان مرصوص ، لما تسلَّط عليهم اللَّصوص ، ولو قتلوا في سبيل اللَّه فالفوز بالشهادة ، ولو سجنوا فالشغل بالعبادة ، ولو نفوا فالنيل بالسياحة .
ونعم ما قال المتنبي :
لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى
حتّى يراق على جوانبه الدم
ويا سوء ما فعلوا فجعلوا القرآن عدل ما نسجت بالبطلان ، وحسبوا وحى الرّحمن عكم ما اختلقه الشيطان . وارتكبوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن فأين الفلاح وهو أبعد من بيض الأنوق ، ورجعوا إلى الجاهليّة الأولى بالجدّ ولعلن فأين النجاح وهو أبعد من مناط العيّوق ، وكم غدرة واضحة في الدّين وكم ، وفظَّت الاخلاق والرسوم والشيم ، كلَّا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون ، فاتخذوا كتاب اللَّه وراء ظهورهم سخريا وبدين اللَّه يلعبون ويستهزؤن ، اللَّه يستهزئ بهم ويمدّهم في طغيانهم يعمهون ، فإذا رأيت أن الزّمان دار بنا والحال كما ترى تذكرت ما أجاد أبو العلاء وتمنى .
إذا عيّر الطائىّ بالبخل مادر
وقرّع قسّا بالفهاهة بأقل
وقال السّها للشّمس أنت خفيّة
وقال الدّجى يا صبح لونك خامل
وفاخرت الأرض السّماء سفاهة
وكاثرت الشهب الحصا والجنادل