فمعنى الانس استبشار القلب وفرحه بمطالعة جمال الحقّ حتّى أنّه إذا تجرّد عن ملاحظة ما غاب عنه عظم انبساطه ولذّته ، ومن غلب عليه الانس لم تكن شهوته إلَّا في الانفراد والخلوة والاعتزال عن الخلق كما قال بعضهم :
تركت للنّاس دنياهم ودينهم
شغلا بذكرك يا ديني ودنيائي
وذلك لأنّ الأنس باللَّه يلازمه التّوحش عن غير اللَّه قال اللَّه عزّ وجلّ لداود عليه السّلام : كن لي مشتاقا وبي مستونسا وعن سواي مستوحشا .
قال عبد الواحد بن زيد : مررت براهب فقلت له : يا راهب لقد أعجبتك الوحدة ، فقال : يا هذا لو ذقت حلاوة الوحدة لاستوحشت إليها من نفسك ، الوحدة رأس العبادة ، فقلت : يا راهب ما أقلّ ما تجده في الوحدة قال : الراحة من مداراة النّاس والسّلامة من شرّهم ، قلت : يا راهب متى يذوق العبد حلاوة الذّوق باللَّه قال : إذا صفا الودّ وخلص المعاملة ، قلت : متى يصفو الودّ فقال : إذا اجتمع الهمّ فصار همّا واحدا في الطاعة .
وقال بعض الحكما : عجبا للخلايق كيف أرادوا بك بدلا ، عجبا للقلوب كيف استأنست بسواك عنك .
وبالجملة الأنس من آثار المحبّة ، والمحبّة مستلزمة لكمال الانس بمناجاة المحبوب وكمال الالتذاذ بالخلوة به ، والاستيحاش من كلّ ما ينغص عليه الخلوة ويعوق عن لذّة المناجاة .
وقد ورد في الحديث القدسي : كذب من زعم أنّه يحبّني وهو ينام طول ليله ، أليس كلّ حبيب يحبّ الخلوة مع حبيبه ، يا ابن عمران لو رأيت الَّذين يصلَّون في الدّجى وقد مثّلت نفسي بين أعينهم يخاطبوني وقد جللت عن المشاهدة ، ويكلَّموني وقد عزّزت عن الحضور ، يا ابن عمران هب لي من عينك الدّموع ومن قلبك الخشوع ثمّ ادع لي في ظلم اللَّيالي تجدني قريبا مجيبا .
فقد ظهر بذلك أنّه إذا غلب عليه الانس والحبّ صارت الخلوة والمناجاة قرّة عينه ، وألذّ الأشياء عنده ، كالَّذى يخاطب معشوقه ويناجيه ، بل ربّما يستغرق