وقرّره الشارح البحراني بتقرير أوضح وهو أنّ هذه الأجسام كلَّها مشتركة في الجسميّة واختصاص كلّ منها بما يميّز به من الصّفات المتعدّدة ليست للجسميّة ولوازمها ، وإلَّا وجب لكلّ منها ما وجب للاخر ، ضرورة اشتراكها في علَّة الاختصاص فلا مميّز له هذا خلف ، ولا لشيء من عوارض الجسمية لأنّ الكلام في اختصاص كلّ منها بذلك العارض كالكلام في الأوّل ويلزم التسلسل ، فيبقى أن يكون لأمر خارج عنها هو الفاعل الحكيم المخصص لكل منها بحدّ من الحكمة والمصلحة .
أقول : وقد أشير إلى هذا الاستدلال في قوله عزّ وجلّ * ( وَمِنْ آياتِه ِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِلْعالِمِينَ . وَمِنْ . آياتِه ِ مَنامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَابْتِغاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِه ِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ . وَمِنْ آياتِه ِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفاً وَطَمَعاً وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ ماءً فَيُحْيِي بِه ِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ » ) * .
قال الطبرسيّ : أي من دلالاته على وحدانيّته وكمال قدرته * ( خَلْقِ السَّماواتِ وَالأَرْضِ ) * وما فيهما من عجايب خلقه وبدايع صنعه مثل ما في السّموات من النجوم والشمس والقمر وجريها في مجاريها على غاية الاتّساق والنظام ، وما في الأرض من الجماد والنبات والحيوان المخلوقة على وجه الاحكام .
* ( « وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ » ) * الألسنة جمع لسان واختلافها هو أن ينشأها اللَّه مختلفة في الشّكل والهيئة والتركيب فيختلف نغماتها وأصواتها حتّى أنّه لا يشتبه صوتان من نفسين هما اخوان ، وقيل : إنّ اختلاف الألسنة هو اختلاف اللغات من العربيّة والعجميّة وغيرهما ، ولا شيء من الحيوانات يتفاوت لغاتها كتفاوت لغات الانسان فان كانت اللَّغات توقيفيّا من قبل اللَّه فهو الذي فعلها ، وإن كانت مواضعة من قبل العباد فهو الذي يسرها .
* ( « وَأَلْوانِكُمْ » ) * أي واختلاف ألوانكم من البياض والحمرة والصّفرة والسّمرة وغيرها فلا يشبه أحد أحدا مع التشاكل في الخلقة ، وما ذلك إلَّا للتراكيب البديعة واللَّطائف العجيبة الدالَّة على كمال قدرته وحكمته حتى لا يشتبه اثنان من النّاس ولا يلتبسان مع كثرتهم .
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 24
مساهمون: حبيب الله الهاشمي الخوئي
ص٢٤