تخطي إلى المحتوى الرئيسي

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة — صفحة 153

مساهمون:

ص١٥٣
وجلالي لا اخرج عبدا من الدّنيا وأنا أريد أن أرحمه حتّى استوفي منه كلّ خطيئة عملها إما بسقم في جسده ، وإما بضيق في رزقه ، وإما بخوف ، في دنياه ، فان بقيت عليه بقية شددت عليه عند الموت . والأخبار في هذا المعني كثيرة ، هذا . ولما أوصاهم بالتقوى أردفه بالايصاء بذكر الموت الَّذى هو هادم اللَّذات وقاطع الامنيّات فقال : ( وأوصيكم بذكر الموت ) أي بكثرة ذكره ( وإقلال الغفلة عنه ) وإنما أوصاهم به لاستلزامه الاعراض عن الدّنيا والرغبة إلى الآخرة ، والاقلاع عن الاثم والمعصية والتقصير في الأمل والجدّ في العمل . ومن هنا قال بعض العلماء : حقّ العاقل أن يكثر ذكر الموت ، فذكره لا يقرب أجله ويفيده ثلاثا : القناعة بما رزق ، والمبادرة بالتوبة ، والنشاط في العبادة . وقال آخر : ذكر الموت يطرد فضول الأمل ويهون المصائب ويحول بين الانسان والطغيان . وما ذكره أحد في ضيق إلَّا وسّعه عليه ، ولا في سعة إلَّا ضيّقها عليه . وكان عليّ بن الحسين عليهما السّلام من جملة دعائه إذا نعي إليه ميّت : اللَّهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد واكفنا طول الأمل ، وقصّره عنّا بصدق العمل ، حتّى لا نؤمل استتمام ساعة بعد ساعة ، ولا استيفاء يوم بعد يوم ، ولا اتّصال نفس بنفس ولا لحوق قدم بقدم ، وسلَّمنا من غروره ، وآمنّا من شروره ، وانصب الموت بين أيدينا نصبا ، ولا تجعل ذكرنا له غبّا ، واجعل لنا من صالح الأعمال عملا نستبطئ معه المصير إليك ، ونحرص له على وشك اللحاق بك ، حتّى يكون الموت مأنسنا الَّذى نأنس به ، ومألفنا الَّذي نشتاق إليه ، وحامتنا الَّتي نحبّ الدّنوّ منها . فانّ قوله عليه السّلام : وانصب الموت بين أيدينا نصبا ، أراد به أن يجعله على ذكر بحيث لا يغيب عن الذّهن لحظة ، وهو تمثيل بحال ما ينصب أمام الانسان فهو لا يغيب عن نظره وقتا ما . وقوله : ولا تجعل ذكرنا له غبّا ، أي وقتا دون وقت ويوما دون يوم ، والغبّ